لم يكن الشرق الأوسط، مهد الحضارات والأديان ومسرح صراعات القوى العظمى العالمية، أبدًا منطقة هادئة. لكن قراءة تاريخ "التهاب" الشرق الأوسط يختلف تمامًا عن معايشته.

عاش جيلي المولود مع اتفاقية السلام مع إسرائيل وما تلاه من أجيال في فقاعة من الهدوء النسبي. لم نشهد الاحتلال الإنجليزي سوى في الأفلام، ولم نعلم عن الحروب سوى ما يَرويه لنا أباؤنا وأجدادنا من ذكريات العدوان الثلاثي والنكسة ونصر أكتوبر.
لم يعكر صفو فقاعتنا الهادئة سوى بعض الحوادث الإرهابية المتفرقة في التسعينات والشكوى المعتادة من الحكومة، وأخبار الشرق الأوسط الذي بدا للكثيرين بعيدًا رغم أننا جزء منه.

غيَّرت ثورة الاتصالات العالم، وأصبح من الممكن مشاهدة الحروب على الهواء مباشرةً. أصبحت الأحداث التي كانت بعيدة يومًا أقرب. ثم جاء سبتمبر 2001 بطبول الحرب على الإرهاب. زلزلت حرب الإرهاب الشرق الأوسط، كانت البداية في أفغانستان ثم انتقلت الحرب للعراق. وفي العراق تحوَّلت الحرب من حرب على الإرهاب إلى حرب لنشر الحرية والديموقراطية.

أصبحت العراق شبح يطارد جيرانها. تحول من عراق يتعايش فيه مواطنيه بلا تفرقة بين دين أو عرق. إلى عراق التفجيرات والترحيل القسري والقتل على الهوية.

ماذا حدث للعراق؟

للإجابة على السؤال يأخذنا سنان أنطوان في روايته "يا مريم"* في رحلة سريعة إلى العراق ما بين أطلال الماضي ومأساوية الحاضر وتساؤلات المستقبل.

يسرد أنطوان تاريخ العراق الحديث من خلال تتبع حياة أسرة مسيحية كاثوليكية، والعلاقة بين العم (يوسف) الذي تجاوز الثمانين من عمره و(مها) الفتاة العشرينية.

يمثل العم الماضي أو "الزمن الجميل" الذي يحن له الجميع. في حين تُشكك مها الشابة في هذا الحنين وجدواه. لأن في الماضي مسببات مشاكل الحاضر.

ففي ذلك الماضي ظهرت أولى علامات الانقسام الطائفي بتهجير اليهود تحت دعوى ارتباطهم بإسرائيل. يحكي العم ذكرياته مع صديقه اليهودي، وكيف ظنوا أن موجة "عداء اليهود" ما هي إلا سحابة عابرة ستمر وكيف اضطر صديقه وعائلته للهجرة فجأة مع حملة إسقاط الجنسية عن اليهود .

في ذاك الماضي أرست الصراعات السياسية مبادئ التخلص الدموي من الخصوم. يحكي يوسف قصة إعدام صديق أخيه بتهمة الماسونية واضطرار الأخ للهرب للبنان خوفًا من مصير صديقه.

وفي ذاك الماضي بدأت أولى إشارات اشتراط القبول الاجتماعي، "social conditioning" ، بدءًا بخطاب عبد السلام عارف "لا جوني ولا جورج بعد اليوم. بويه حمد و خويه حمود". ونهايةً بحملة صدام الإيمانية.

ذاك الماضي أدى بطريقة أو بأخرى لسيطرة العمائم مع دخول القوات الأمريكية للعراق في 2003. الماضي هو ما أدى إلى تهجير مها(لأنها مسيحية) من بيتها وتشريد أهلها بين المدن العراقية وخطف وقتل خالها. وهو ما أجبرها أخيرًا على إخفاء صليبها و تغطية رأسها.

في الوقت الذي كان العم يأمل في عودة الماضي ويُصر أن كل ما يمر بالعراق ماهو إلا زوبعة في فنجان، كانت مها تبحث عن زمنٍ لم يأتِ بعد، أو قد لا يأتي أبدًا. كان حنينها لزمان بلا تفجيرات ولا قصف ولا خوف.

تختلف الشابة وعمها ويصلان لطريقٍ مسدود حين تفقد الشابة جنينها في تفجير استهدف حيها الذي يسكنه المسيحيون.

لا يتفهم الماضي موت المستقبل!

يُصر العم أن على مها إعادة المحاولة وتعويض الجنين في حين تغرق الشابة في الأحزان وتفقد القدرة على الحياة.

وحين يقرر العم أخيرًا أن يتفهم موقف الأم الثكلى، وتقرر الشابة تقبل حنين عمها لماضٍ يُمثل كل حياته. وقبل لقائهما في قُداس الأحد بكنيسة سيدة النجاة يحول بينهم وبين اللقاء تنظيم دولة العراق الإسلامية. **

يموت العم وماضيه الجميل في الهجوم وتعيش مها، والكثير من مواطني الشرق الأوسط، بلا ماضٍ واثقٍ من انقشاع الغُمة ولا مستقبل يُبشر بالأمل.

* المرشحة لجائزة البوكر العربية عام 2013
** مجزرة سيدة النجاة، هجوم قامت به منظمة دولة العراق الإسلامية التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين. عندما اقتحم مسلحون كنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك بالكرادة في بغداد أثناء أداء مراسيم القداس. انتهت الحادثة بتفجير المسلحين لأنفسهم وقتل وجرح المئات ممن كانوا بداخل الكنيسة