لدي اعتراف.. أنا أكره تشارلز ديكينز! أو كنت أكرهه.

بدأت علاقتي بديكينز في المدرسة وكان أول لقاء بيننا هو ديفيد كوبرفيلد.. ترك اللقاء في قلبي غُصة.. لم يستوعب قلبي وقتها جرعات الألم المُكثف التي تمر بها الشخصيات.. تنقّلت بين سنوات الدراسة كما تنقلت مع ديكينز.. ومن يتيم إلى يتيم وغُصة إلى غُصة زادت الكراهية.

انقضت سنوات الدراسة وغَفرت لديكينز ذنوب مأساة ديفيد* وأوليفر** وبيب***.. ولم يبقَ له في ذاكرتي سوى مدام ديفارج**** والآنسة هافيشام.

الآنسة هافيشام هي إحدى شخصيات رواية ديكينز الأشهر، الآمال الكبرى. يقص لنا ديكينز في الرواية كيف تُنضج التجربة يتيمة بيب. كانت الآنسة هافيشام واحدة من تلك التجارب.

عجوز وحيدة، أقرب لتماثيل الشمع من البشر.. ترتدي فستان زفاف فخم مطبوع بأثر الزمن كوجهها ووجه كل شيء في قصرها.. ورغم أثر الزمن الواضح إلا أنه لم يطل عقارب ساعات القصر التي توقفت كلها على ساعة معينة.

تبدأ قصة العجوز وساعاتها المتوقفة في ليلة زفافها.. تركها العريس بفستان الزفاف فلم تخلعه. وكما أوقفت الساعات أوقفت حياتها على الانتقام.

تبنت العجوز طفلة ثم كبُّرت الطفلة لتصبح فتاة جميلة.. وبدلًا من أن تنقذها العجوز من مصير مثل مصيرها، قررت استخدامها كأداة للانتقام.. انتزعت العجوز قلب الفتاة وأبدلتها مكانه ثلجًا. فأصبحت الحسناء وحش كاسر يعيش على آلام غيره.

حينما شاهدت العجوز صنيعتها تكسر قلب البطل الشاب لم تسعد بل شعرت بالأسى. أدركت، متأخرًا جدًا، أن سعادتها ليست في آلام الآخرين. بل على العكس آلام الآخرين تشبه ألمها. ومع نار الندم حرقتها نار الشموع. ماتت الآنسة هافيشام محروقة بنار ضغينتها.

على الرغم من أن شخصية الآنسة هافيشام تبدو لوهلة شخصية خيالية، إلا إنه في الحقيقة هي شبح يطاردنا جميعًا في الكثير من الأوقات.

فجريمة الآنسة هافيشام الأولى والأخيرة ليست الانتقام بالتحريض على كسر القلوب.. جريمتها هي الذكرى!

كان بإمكان الآنسة هافيشام أن تجد ألف طريقة للانتقام ممن تسبب في جرحها. كان بإمكانها أن تعيش حتى بلا انتقام، إلا إنها فضلت مُعاقبة نفسها.. أولًا بالسجن في القصر وثانيًا بالسجن في الذكرى.

فالذكريات سواء كانت حلوة أو مرة سجن يمنعنا من عيش الحاضر والتفكير في المستقبل.

كانت الآنسة هافيشام أسيرة الحنين لذكرى الفشل.. كانت تحركها ضغينة حرصت، كل الحرص، ألا تخبو.. مثلها في ذلك مثل الكثير من أسرى الألم.. لا يتوقف العالم في حين يتوقف عالمهم عند لحظة.

كلٌ أسير الذكرى، حتى وإن لم تتوقف ساعاته.

قد لا ينتهي أيٌ من هؤلاء محروقًا بنار الشموع.. لكن بكل تأكيد إن لم يتمكن أيهم من كسر أسوار سجن الذكرى ستصبح حكايته رغم الاختلاف كحكاية الآنسة هافيشام.

امرأة ورجل ودرس.. إن لم تقتل الضغينة، قتلتك!

* بطل رواية ديفيد كوبرفيلد
** بطل رواية أوليفر تويست
*** بطل رواية الأمال الكبرى
**** من شخصيات رواية قصة مدينتان