ثَبت بتجربة "العيشة" أنها صعبة. وأن صعوبتها تتناسب طرديًا مع الزمن وعكسيًا مع الحظ. فكلما زاد عمرك زادت صعوبتها وكلما قل حظك أصبحت لا تحتمل. تكمُن صعوبة "العيشة" في نصيبك من المسؤولية.

تبدأ حياتك بلا مسؤوليات تقريبًا اللهم إلا مسؤوليتك تجاه نفسك. ثم تنمو فتنمو مسؤولياتك معك. ربما تصبح مسؤولًا عن أخت أو أخ يصغرك. أو تشارك أبواك في مسؤولياتهم اليومية. تنتقل للمدرسة فتصبح الدراسة مسؤولية. تنتهي من الدراسة لتبدأ مسؤولية العمل.

بعض مسؤولياتك يُوكل إليك بلا اختيار، "لأن حظك كده"، وبعضها تختاره بعناية. ففي كل الأحوال لا فرار من المسؤولية لأن حتى الفرار مسؤولية في حد ذاته. فالمسؤولية ما هي إلا تبعات "الواجب".

 على الرغم من أن الواجب هو ما يتحتم على الشخص أن يفعله، إلا إنه ليس التزام أحادي الجانب بلا مردود كما يظنه البعض. الواجب يختلف عن التضحية. فالتضحية فعل تطوعي. طوعًا لا إلزامًا تقوم بعمل ما بلا انتظار لمقابل. أمَّا الواجب فهو ما يتحتم عليك فعله من أجل الحصول على نفع ما.

ففي المدرسة مثلا مردود الواجب درجات وانتقال لصف أعلى. أما في العمل مردود الواجب أجر وتدرج في سُلم الوظائف. وفي المعاملات بين الأشخاص مردود الواجب رضا عن النفس وسعادة.

لكن لسببٍ ما يخلط الكثيرون بين مفهوم "الواجب" ومفهوم "التضحية".. فيصبح الواجب مرادفًا للتضحية القسرية.
فرضًا، تخيل نفسك تلميذًا يجتهد في الدرس. لكن معلمك لا يقدر اجتهادك. لا درجات ولا انتقال من صف لصف ولا حتى ابتسامة تقدير لمجهود المحاولة. يتساوى درسك عند هذا المعلم مع عدم درسك. فلما الاستمرار؟ وحتى وإن كان الاستمرار حتميًا فلما الجد؟!

عمل التلميذ الجاد بلا مردود هو نوع من التضحية القسرية التي لا يجب بأي حال من الأحوال أن تستمر.

وعلى الرغم من أن مخرج التلميذ من فخ التضحية القسرية سهلًا. فكل ما يحتاجه هو أن ينتقل لفصل آخر أو ربما مدرسة أخرى، إلا أن فخ التضحية القسرية يبتلع الكثير من العلاقات الأكثر تعقيدًا.

 فالأم التي لا تجد تقديرًا من أبنائها، والأب الذي يضن عليه الأبناء بالعرفان، والأبناء المحاصرون بسيف "تكسير المقاديف" أسلوب الأباء المفضل للتربية والتوجيه، كلهم أسرى فخ التضحية القسرية.

تحت شعار "لا شكر على واجب" تصبح التضحية القسرية هي النموذج المتبع لتبادل المنفعة في العلاقات.

سواء أباء وأبناء أو أزواج أو أحبة أو حتى أصدقاء. تصبح واجبات العلاقة "حقوق مكتسبة" وما دونها "تقصير" يستحق اللوم. يترك اللوم في النفس مرارة تزيد من صعوبة "العيشة" وتصبح "مسئولية" العلاقة مصدرًا للإرهاق النفسي المستمر.

 أن تكون ذو قيمة ليس فقط لنفسك بل لغيرك هو واحد من أهم الحوافز على الاستمرار في الحياة. ولهذا السبب يرتبط الإنسان بعلاقات اجتماعية مختلفة. يقوم بواجباته وينتظر في مقابله "التقدير" لأن من أجل التقدير قام الإنسان بإنشاء تلك العلاقات.

 لكن حين تتوقف العلاقة عن توفير التقدير. ويتحول الواجب إلى تضحية قسرية. يختفي الدافع وراء استمرار العلاقة. فشرط التضحية الاختيار ومادام لوثها القسر أصبحت ابتزازًا يجب أن يتوقف.

فبدون التقدير لن يذهب الجندي إلى المعركة ولن يستمر الطفل في الدرس ولن يكمل الطبيب الجراحة ولن يستمر الزوج/ الزوجة في الزواج.

قد يكون شكر التضحية واجب لكن شكر الواجب أوجب!