يظن البعض أن الاقتصاد علم جامد لإرتباطه بالأرقام. في حين أن الاقتصاد من العلوم الاجتماعية التي تُعنى بدراسة وتفسير السلوك الإنساني كعلاقة بين "الاحتياجات" و"الموارد". ولأن الموارد محدودة، تأتي الندرة في قلب المشكلة الاقتصادية. ويصبح الاختيار وآلياته محورا للدراسة.

الاقتصاد، ببساطة، علم يفسر في بعضه ويقترح في بعضه الآخر طرق استخدام "الموارد المحدودة" لتعظيم تحقيق الإنسان "لاحتياجاته". لذلك فالنظريات الاقتصادية تكاد تفسر كل الأشياء. بدءًا من القرارات السياسية الدولية إلى الزواج!
فالزواج احتياج. أو بمعنى أدق، الزواج اختيار لتلبية مجموعة احتياجات. احتياجات نفسية (الأمان العاطفي) واجتماعية (مركز وشكل اجتماعي) ومادية (جنس، مال، أطفال ..إلخ).

 تشبه الحاجة إلى الزواج إلى حد كبير الحاجة إلى العمل. فالعمل، كما الزواج، خيار لتلبية احتياجات نفسية واجتماعية ومادية.
ومن ثم يُمكِن النظر إلى "سوق" الزواج بنفس طريقة النظر لسوق العمل. تحدث التفاعلات بين "اللاعبين" في كلا السوقين على مستويين، الجزئي وفيه يتفاعل الأفراد من أجل تحقيق حاجتهم. والكلي وفيه ينظر لعلاقة السوق مع الأسواق الأخرى (المجتمع ككل).

على مستوى الجزئي يمثل الأفراد جانب العرض (طالبي الأعمال) في حين تلعب "مؤسسة الزواج" دور الطلب (أصحاب الأعمال).

 الغرض من إنشاء مؤسسة الزواج هو استمرار الحياة على الأرض عن طريق إقامة الوحدات المكونة للمجتمعات، الأسر. تعد المؤسسة "الأزواج" في المقابل بتعويض ملائم .. تحدث التفاعلات داخل السوق مابين قوى العرض والطلب لتعظيم منفعة الطرفين.

 وكما تختلف الأجور ولا يسود أجر واحد سوق العمل تختلف وتتباين التعويضات المقدمة من "مؤسسة الزواج".. يرجع التباين في الأجور والتابين في التعويضات المقدمة من مؤسسة الزواج لأسباب مختلفة منها اختلاف التأهيل واختلاف المكان (العرف السائد) واختلاف الحد الأدنى من التوقعات.

وكما يطور الإنسان قدراته ليصبح أكثر جذبًا لفرص عمل ذات "أجر" أكبر. يطور الإنسان نفسه من أجل أن يصبح أكثر جاذبية لمؤسسة الزواج.

ولأن "كل فولة ولها كيال" فصاحب الدكتوراه، إفتراضًا، سيجد عملًا بأجر أكبر من صاحب البكالريوس. وذات المواهب المنزلية يُفترض أن تجد زواجًا أسرع ممن لا تجيد أعمال المنزل.

لكن هذه الافتراضات سليمة فقط في عالم مثالي تسوده المنافسة الكاملة. لكن لاعتبارات غياب المثالية والمنافسة الكاملة تأتي البطالة والعنوسة في قلب مشكلات المجتمع.

والبطالة أنواع، منها البطالة الهيكلية الناتجة عن فشل سوق العمل في التوفيق بين أصحاب الأعمال والراغبين في العمل.. والبطالة الدورية وترتبط بدورات الكساد والرخاء.. والبطالة الاحتكاكية وهي الفترات ما بين الانتقال من وظيفة لوظيفة.

 وبالرغم من تنوع أشكال وتفسيرات البطالة إلا أن تعريف العاطل لا يتغير، طبقًا لمنظمة العمل الدولية العاطل هو "كل قادر على العمل وراغب فيه، ويبحث عنه، ولكن دون جدوى". لذا يستبعد من إحصاء العاطلين كل من لا يقدر على العمل، وكل من لا يرغب في العمل، وكل من لا يبحث عن عمل.

وعلى الرغم من تشابه البطالة والعنوسة إلا أنه لا يوجد تعريفٌ عالمي متفق عليه للأخيرة. فالعانس في اللغة، مثلًا، هي صفة مشبَّهة تدلّ على الثبوت من عنَسَ. "اِمْرَأَةٌ عَانِسٌ: أَسَنَّتْ وَلَمْ تَتَزَوَّجْ" وتستخدم أيضًا للرجال فيقال "عنَس الرَّجلُ: طالت عزوبتُه ولم يتزوّج". ومع ذلك تصر مجتمعات هذا الجزء من العالم على اعتبار "عانس" صفة نسائية. صفة جامعة مانعة للكثير من المعاني السلبية.

 في زمن غابر كان من السنن أن تتزوج الفتاة مع البلوغ وكانت من تبلغ العشرين دون زواج "عانس"، ولكن ترك التطور بصمته وأصبح من المستحب أن تُنهي الفتاة دراستها ومن ثم يترك لها عام أو عامان لاختبار الحياة العملية وربما اصطياد العريس.. ثم يبدأ العد التنازلي للحصول على اللقب.

مبروك، إنتِ عانس!

ومع اللقب تأتي الصورة الذهنية. فكما ترتبط الصورة الذهنية للعاطل بأنه كسول وفاشل ولا يملك القدرات اللازمة للمنافسة في سوق العمل. يُنظر للعانس على أنها "معيوبة"، ولأنها معيوبة فهي يائسة بائسة.. فولة مسوسة!

 يتناسى البعض عن عمد أحيانًأ وعن جهل أحيانًا أخرى أنه لا يُمكن إعتبار الشخص الغير الراغب في العمل والغير الباحث عنه عاطل. كما يتناسون أنه حتى وإن كان راغبًا وقادرًا ويبحث عن العمل بلا جدوى فهذا لا يعني أنه معيوبًا.

 فالعيب الوحيد في الحالتين هو "السوق"!