يُحكى أن الفيلسوف الصيني شوانج، الذي عاش قبل الميلاد، نام ذات ليلة وحلم أنه فراشة، وكان يطير كالفراشة، ويعيش كالفراشة، بل ويغرق في عالم الفراشات.

ثم استيقظ ووجد نفسه إنساناً مجدداً، وقال: "أصبحت محتاراً، هل أنا إنسان حلم أنه فراشة أم فراشة تحلم الآن أنها إنسان؟!".
الحياة غامضة، لا شيء فيها أكيد مائة بالمائة. فنحن فيها نبحث، ونطور، ونوجد حلولاً. نحاول، ونفكر ونتوصل إلى نتائج وأفكار.

ولكن هذه النتائج والأفكار لا تنحصر فيها الحقيقة، وفي أفضل الأحوال هي ما يغلب على ظننا أنه الأقرب للحق. لذلك، حين أرى بعض اليقينيين، أتساءل كيف يمكن للإنسان أن يكون متيقناً إلى هذا الحد ؟ كيف له أن يصل به اليقين إلى درجة تجعله يبذل جهده وكل وقته، وأحياناً يخسر حياته، في خدمة هذا الذي يراه يقيناً.

على مدى عقود من حياتنا حاولنا الهروب من خيارات وظروف مُعينة، اعتقادًا منا أنَّ فيها شرًا لنا، وحين وقع أمر الله وحصلت لنا دون اختيار منا، اكتشفنا أنها هي الخير وهي الأنسب.

فنحن لا نعرف ولكن نتوقع. نتوقع بُناءً على معلومات جمعناها، أو حدس، أو حتى هوى نفس. ولكنه يظل توقعاً واتباعاً لغلبة الظن لا أكثر ولا أقل.

لذلك، إذا وجدت شخص عنده رؤية وصل معها إلى مرحلة اليقين، فاعلم أنه يعاني من مشكلة أساسية في عقليته وطريقة تفكيره. وإلا كيف يكون متأكداً إلى هذا الحد؟! هو شخص دُغمائي، يعتقد أنه يعرف الحق، كل الحق، وماتبقى عليه إلا الوصول له واتباعه وتسويقه. فتجده ينشر فكرته بكل قوة وثقة، وتجدها واضحة عنده تماماً؛ لذلك، يلتف حوله الناس معتقدين أنه يعرف الأفضل والأنسب، وأنه منظم وقائد فذ.

لكن، في حقيقة الأمر، هو شخص عادي، يعاني من مشكلة عقلية بسبب التربية وغسيل الدماغ، أو بتأثير من شخص يقيني آخر جعلته متيقن ثم يقود اتباعه بإتجاه يقينه.. وهكذا.

الشخصية اليقينية لاتصلح للقيادة نهائياً. هي شخصية أنهت مرحلة البحث، وبقي عليها التنفيذ فقط، وابتكار وسائل للوصول؛ فإنهاء مرحلة البحث يعني إغلاق العقل.

لذلك، إذا دخلت معها في حوار أو مناظرة، لن تستفيد منك إلا في أن تطور وسائلها في الاقناع وتتدرب عليك، ولكنَّها لن تطور أو تغير أصل الفكرة.

ولأن الشخص اليقيني متأكد مائة بالمائة، فهو يسعى جاهداً لنشر هذا التأكيد الذي يعرفه. وأتوقع أنه لو أُتيحت له الفرصة أن يفرضه جبراً على الناس لفعل، لأنه يحب لهم الخير، وتهمه مصلحة العالم كما تهمنا جميعاً.

ولذلك، أيضاً، فمن غير المستبعد أن يتآمر الشخص اليقيني علي وعليك وعلى المجتمع، وهو مطمئن نفسياً ويشعر بالراحة في قرارة نفسه، متيقناً من أنه شخص جيد، يسعى في خير البشرية.. مؤامرة؟!

هي فعلاً مؤامرة . إذ ليست المؤامرة هي خطة سرية بين مجموعة من الأشخاص للإضرار بأشخاص آخرين. فإذا اجتمع مجموعة من الأشخاص اليقينيين، وخططوا لنشر فكرتهم بغسل أدمغة الآخرين، كأن يستهدفوا الأطفال الصغار في المدارس لإنشاء جيل جديد مشبع بهذه الفكرة، ويعتقد أنها الحقيقة المطلقة ، فهم يتآمرون على المجتمع. وكلنا نعلم أن النوايا الحسنة وحدها لاتكفي.

على مدى عقود، انتقلنا من يد يقيني إلى آخر . وساروا بنا في الطريق الخطأ، تربينا على اليقينية وربينا أولادنا عليها، فأفسدت عقولنا وطريقة تفكيرنا .

لا بأس بأن يُخطط الإنسان ويكون عنده رؤية وأهداف ، ولكن إن وصل بها إلى مرحلة اليقين فإنه يكون قد أغلق عقله، وسار ومن تبعه باتجاه الهاوية، إلا إذا استيقظ قبل أن يسقط وغير طريقه.

من تفكري في الأشخاص اليقينيين ، وجدتهم أشخاصاً خائفين. يخافون من الغموض ويخافون من الضياع . فوجود حقائق مسلم بها وخطة واضحة كالشمس يريح عقولهم وقلوبهم. ثم يفترض اليقيني أن الجميع ضائع مثله ، وعنده نفس تخوفاته وحاجاته، ويريد مساعدتهم وإراحتهم .

هو افترض هذا، و قد يكون افتراضه صحيحاً. لأن المحيطين به ربما تربوا في نفس مجتمعه وبظروف مشابهة لظروفه وتشربوا نفس مخاوفه. يبدأ الشخص اليقيني بنشر فكرته وتحقيق الفتوحات فيرتاح ضميره.

نستنتج من ذلك أن الشخص اليقيني، هو شخص مرتاح العقل والقلب والضمير، لذلك تجد وجهه مضيئاً كالشمس، وابتسامته عريضة كالقمر، وأسنانه تتلألأ كالنجوم .

الخلاصة، عليك باليقينية لبشرة صافية مشرقة ووجه ملائكي جميل .