مبدئياً.. لا أرى من ينكر هذا الواقع، إلا مغمضاً عينيه صاماً أذنيه تجاهلاً للمعلوم من الشارع المصري بالضرورة. الحقيقة تقول: إن بشار الأسد صار له في مصر معجبون ومؤيدون بنسبة معتبرة جداً.
ويتبع ما سبق، الإقرار بأن بشار نفسه كان مثار حسرة بالغة منذ تولى رئاسة سوريا . أي منذ أن تغير الدستور في جلسة واحدة بعد وفاة حافظ الأسد فوراً، ليهبط سن الرئيس إلى عمر بشار بالضبط، وذلك حتى يتمكن من الترشح؛ في مشهد يذكرنا ببيعة هارون الرشيد لابنه الأمين، وهو في الخامسة من عمره.. فكان الأسى على حال نظام متخلف، يحارب الزمن الذي يحاول أن يلفظه بلا جدوى.
وسبحان مغير الأحوال . فبعدما كان مدعاة للسخرية منذ تولى الحكم، وبعدما كان الجميع يراه ديكتاتوراً قمعياً غليظاً . وبعدما كانت الصورة الذهنية عنه، أنه تراجع بسوريا للوراء، وأبقاها ـ مثلما مصر في الستينات ـ بين اشتراكية عقيمة، وفساد يتوالد بغزارة، وأصحاب مصالح يتحلقون حول النظام بحزبه الواحد الكسيح، الذي يدعي كذباً وبهتاناً أنه تقدمي (في وقت صار فيه لفظ تقدمي، لفظ رجعي وعتيق في الأساس)، والذي تثير دعايته عواصف الضحك المر على ما استقر عليه الحال بسوريا الغالية، لأنها دعايات تشبه النكات المحفوظة من عينة: النظام المقاوم، وحامي العروبة، وبطل الأبطال، الذي توقف نموذجه المُلهِم عند فريد شوقي في فيلم بورسعيد.
بعد كل ما سبق، يغدو بشار عند البعض بطلاً.. ويكون التعبير الأكثر اقتراناً به أنه "دَكَر".. كيف!
ببساطة بالغة.. عدو عدوي صديقي.
المصريون أرهبهم التطرف والتكفير . وشعروا بخطره خنجراً يقترب من صدورهم . فأعجبهم من يحاربه نيابة عنهم.
وفي العقل غير المسيس، هناك قناعة لا تخلو من وجاهة بأن تلك الأسماء الكريهة (القاعدة، وداعش، والنصرة.. إلخ)، والوجوه ذات الملامح سافرة الإجرام، إن انتهت من سوريا، فستلتفت إلى مصر . فكيف لا نؤيد ـ ولو بقلوبنا ـ من يُقلل من عددهم؟! وكيف لا يتمنى المواطن البسيط له النصر، وهو يستقطبهم من كل بلاد العالم ويصير قبلتهم بدلاً من سيناء؟!
هكذا يفكر جل من يؤيدون بشار. معادلة سهلة لعقل رجل الشارع العادي، الذي ما عاد يلتفت للكلام المعقد، ولا يعنيه إلا شأنه.
لو انتصر بشار، فلا خوف على مصر وليدبر السوريون حالهم.. أما لو انتصرت جماعات التشدد وسفك الدماء، أو لو انتصر المجرمون عابروا الحدود، فالخوف كل الخوف على شوارع القاهرة.
هكذا، بدا بشار عشية انسحاب وجوه الأمل الأولى في المعارضة السورية، المدنية، وانحسار فرصهم في تولي الأمور؛ بعدما بدوا فريقاً يتشاجر لاعبوه، ولا يشاركون أصلاً في المباراة الفاصلة على الغد السوري.
سيعود نظام الأسد إلى سابق عهده في عقول وقلوب المصريين . كياناً غبياً فاسداً عميلاً تابعاً لإيران المعادية لمصر يقيناً ، وقتما يظهر فصيل وطني شريف وجاد، ظاهر وقادر على المنافسة في الساحة السورية ولا يُخيفنا على أنفسنا، إنما يمنحنا الأمل في إقامة دولة سورية مدنية حديثة، ويسهم في التعاون مع جيرانه نحو ترسيخ مستقبل أكثر "أماناً" و"استقراراً" للمنطقة كلها.
في النهاية، وحتى لا ننسى.. ثمة تصريحين اثنين لا ثالث لهما، يعبران عن وجود تأييد بنسبة ما لبشار في مصر. الأول، لطارق الزمر، يوم 17 يونيو 2013؛ ثم عصام العريان، يوم 22 يونيو في نفس العام.. ومنهما نلاحظ:
أولاً: التوقيت المتتالي ، والذي من غير المتوقع أن يكون مصادفة، وكلاهما قبل ثورة 30 يونيو بأيام.
ثانياً: كلاهما (التصريحان)، يقولان علناً إن المعارضين لحكم مرسي هم المؤيدون لبشار! (في لحظة يرى فيها أي عاقل في العالم، أن خروج بشار من المشهد ضرورة حتمية).
ثالثاً: التصريحان يشيران بفخر شديد لمؤتمر دعم الثورة السورية، وقطع العلاقات مع نظام الأسد.. وهو المؤتمر الذي شَرُف بحضور كل الرموز الإرهابية المتقاعدة في مصر.. والذي شهد، كما رأى المصريون جميعاً، الدعاء على كل من يشارك في الاعتراض على حكم الإخوان بالنزول في 30 يونيو.
هل ما زال أحد يندهش من وجود مؤيدين للطاغية بشار في مصر؟!