إنك إن أعرت رجلاً، لا يعرف شيئاً عن موضوع معين كتاباً في هذا الموضوع، وأخبرته أن في قراءة هذا الكتاب فائدته، تكون قد ألحقت به الضرر البالغ . ويزيد الضرر لو كان الرجل يمنحك ثقته الكاملة، وكان الكتاب مليئاً بالمعلومات . فبمجرد أن ينتهي ذلك الرجل من استيعاب ما ورد في الكتاب، ومدفوعاً بثقته بما يعرف، سيبدأ معركته الخاسرة مع العالم.

إن الرجل الذي لا يعرف شيئاً عن تاريخ الفلسفة، أو قوانين الفيزياء، أو بحور الشعر، أو أي موضوع آخر، هو رجل لا ينقصه شيء . فالمرء لا يحتاج إلى معرفة محاورات أفلاطون لكي يُقيم مع رفاقه حديثاً شيقاً، كذلك لا يتطلب الاستمتاع بالنسيم اللطيف دراية بحركة الهواء، ولا يمنعنا جهلنا بالأوزان الشعرية وبالمقامات الموسيقية من أن نطرب للأغاني.

إن جهلنا لا يُسبب تعاستنا، وإنما ينبع شقاؤنا من ثقتنا المطلقة بمعارفنا القاصرة . فالجيوش لا تنهزم في ميادين القتال بسبب جهل قادتها بأصول الحرب، وإنما بسبب اعتقاد هؤلاء القادة أن ما يعرفوه عن العدو كافي لتحقيق النصر . ولا يموت الرضيع بين ذراعي أمه لجهلها بارتفاع حرارته، ولكن لظنها أنها تستطيع علاجه بما تعلمه من وسائل مقاومة الحمى.

إن المعرفة كالنار، يمكنها أن تمنحنا الدفء في الجو البارد، وأن تهبنا النور لنجتاز الظلام؛ لكنها تستطيع، أيضاً، أن تحرق من يلهون بها.
وكما أن معظم النار من مستصغر الشرر، كذلك معظم التخلف من مستصغر العلم.

فهؤلاء الذين ينشرون المعارف الناقصة في التاريخ والسياسة والاقتصاد، وغيرها من الشؤون العامة، هم أشبه ما يكون بمُشعِلي الحرائق. فهم بمعرفتهم الناقصة يضللون الناس، ظانيين أنهم يمنحوهم الدفء والنور .
بل إن بعضاً من هؤلاء لا هَّم لهم سوى نشر أكثر الآراء غرابة وإثارة للجدل، طمعاً في لفت الأنظار . وهم، هنا، أشبه ما يكون بآكلي النار في الموالد الشعبية، الذين يمارسون هذا السلوك العجيب المفتقر لأي فائدة، سوى جذب انتباه الساذجين طمعاً في قروشهم القليلة.

إننا لا نتعجب من العلماء والمؤرخين والباحثين، الذين لا يملون من تذكيرنا بأننا لا يجب أن نأخذ آرائهم ـ التي أفنوا أعمارهم في تكوينها ـ كحقائق نهائية لا يرتقي إليها الشك . فهم يحرصون على التأكيد لنا أن كل ما توصلوا له من آراء، هو مرهون بما أتيح لهم من معلومات موثقة .
بل، إن كثيراً من الثقات يؤكدون لنا أنهم كلما ازدادت معارفهم في موضوعات علمهم، زاد إحساسهم بجهلهم وعجزهم عن إدراك الحقائق .

لكننا نتعجب من الذين يخرجون علينا كل يوم ليملئون رؤوسنا بالمعلومات غير المؤكدة، وبالتفسيرات القائمة على اقتطاع الأحداث من سياقاتها، وبالتحليلات التي تنحاز لجانب من الحقيقة دون جوانبها الأخرى. بل يزداد العجب عندما يتهم هؤلاء مخالفيهم في الرأي بالجهل.
علينا أن ننعم بالفرصة الكاملة التي يمنحها لنا جهلنا . وأن نبحث عن المعرفة ـ فقط ـ عند هؤلاء الذين يعترفون بجهلهم، ولا يقدمون لنا القشور في هيئة اللباب .

فلنقترب من النيران بلا وجل، متذكرين أنها لن تقوى على التهامنا إلا إذا غفلنا عنها.. وسنربح المعركة.
قد لا يكون الجهل قادراً على جلب السعادة . لكنه بكل تأكيد بريء من الزيف والتحيز والهوى، وتغليب المصالح، براءة الذئب من دم كل أبناء يعقوب.
وكما يقال في الإنجليزية : "المعرفة القليلة.. خطر".