على مدى عقود، حظيت مسألة الحجاب في العالمين العربي والإسلامي باهتمام وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الغربية، وعلى الرغم من الإسهاب الغربي في الحديث عن حجاب المرأة المسلمة، واعتباره في أحيان كثيرة "انتهاكاً" لإنسانية المرأة وتعبيراً عن التخلف الاجتماعي، إلا أنه قليل ما تم التطرّق إلى "حجاب" المرأة اليهودية في إسرائيل وفتاوى الحاخامات بصدده، والذي يكاد يصل حد التطابق مع ما يفرضه متشددوا طالبان على التابعين لهم.

ربما يكون مرد عدم التطرق إلى تنامي هذه الظاهرة في إسرائيل، الخوف من الالتصاق بتهمة "معادة" السامية" الجاهزة دائما، لكن صدور رواية "امرأة طالبان" لمؤلفها المحامي الإسرائيلي، يائير نيهوراي، فتحت الباب الموصد تجاه المتدينين الإسرائليين، وفتاواهم، ونظرتهم للمرأة وضوابط تنشئة الطفل، وهو مجتمع يعد صورة مطابقة لنظرة "حركة طالبان" الأفغانية للحياة.

كشف المستور

أثارت رواية "امرأة طالبان" ضجة عالمية، ما عده الكاتب نفسه اهتماما عن "المسكوت عنه في إسرائيل "التي تعد بالنسبة لمحيطها العربي تحديدا، مجتمعا مثاليا متقدما في كل شيء أو ربما هذا ما تسوقه إسرائيل عن نفسها.

في مقابلته مع موقع "والا" الإسرائيلي، يقول نيهوراي، إن ولوجه إلى "عالم المتشددين اليهود ونسائهن المنقبات" يعود إلى القصة التي أثارت الرأي العام والمتثملة في اعتقال أم منتقبة كانت تعذب أبناءها الـ12، وكان أحدهم يعاني إعاقة عقلية، وزجها بالسجن عقابا على جرمها لمدة 4 أعوام.

للوهلة الأولى قد ينظر إلى عنف هذه المرأة، الذي حوله نيهوراي إلى رواية، بأنه "حالة استثنائية" لا يجب إسقاطها على المنتقبات الإسرائيليات، لكن التحقيقات التي أجراها الكاتب لاحقا، لفتت إلى أن معاملة الأطفال مستند إلى فتاوى دينية من شأنها أن تهدد صحتهم النفسية مستقبلا، خاصة الإناث منهم.

يقول نيهواري: "إن ما جذبني هو التطرف الموجود في قصة تلك المرأة، لقد حاولت التعرف على ماهية النفس البشرية التي يمكن أن تنشأ في هذه البيئة، تفاجأت باهتمام والوسط العربي بهذه الرواية، على الرغم من تأكيدي في المقدمة على أن هذه القصة يمكن أن تحدث في أي مكان بالعالم ومع أتباع أي لكن الاهتمام العربي جاء نتيجة أنها شاهدة من جانب لم يتوقعوه..من جانب عدوهم".

المرأة "عورة"

تلقي رواية "امرأة طالبان" الضوء على العوامل النفسية والاجتماعية التي تقف وراء تنامي عدد النسوة المتشددات والمنقبات في إسرائيل، واللاتي يصل تعدادهنّ اليوم إلى 10 آلاف محجبة ومنتقبة.

ومن أهم العوامل التي أسهمت في ظهور شخصية "امرأة طالبان"، هي الفتاوى الدينية الموجودة في التوراة وكتاب التعاليم والشروحات المقدسة "التلمود". وبحسب النصوص الشرعية فإن " شعر المرأة عورة "، وكل من تخرج كاشفة عن شعرها فكأنها بذلك تعدّت على "دين موسى".

إلى جانب ذلك، أفتى الحاخامات المتشددون بضرورة تغطية المرأة اليهودية رأسها ووجهها تماماً، وأن لا يترك سوى حيزاً صغيراً لعين واحدة فقط، وشددوا على أنه لا يجوز للمرأة أن تمشى في الشارع أو حتى في فناء منزلها وهى حاسرة الرأس تماماً، فمن تكشف عن شعرها تتسبب بفاقة أهلها وفقرهم.

كما أن ظهور امرأة حاسرة الرأس أو سماع صوتها أثناء أداء الصلاة يبطلها. لكن رجال الدين اليهود استثنوا الفتاة العزباء من فتاواهم حتى يتسنى لها الزواج، فلا لا بأس أن تخرج حاسرة الرأس للترغيب بها.

الاختلاط حرام

يزداد عدد المحجاب والمنقبات اليهوديات في أوساط المستطونات الإسرائيلية في القدس والضفة الغربية، إذ أن السياسة الإسرائيلية تتعمد إرسال هؤلاء المتشددين إلى هذه المستوطنات معتمدة على ولائهم الديني في مواجهة الولاء الوطني لدى الفلسطينيين.

وفي مستوطنة "بيت شميش" في القدس، شكل اليهود الأرثوذكس ما يشبه "الجيتو" داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، وسنوا قوانين وشرائع في تنظيم شئونهم.

فمثلاً، في هذه المستوطنة يفصل الحافلات إلى قسمين، الأمامي للرجال والثاني للنساء، و حتى بلغ الأمر بـ"الورعين" فصل منازلهم إلى غرف للذكور والإناث منعاً للاختلاط، ويحظر على النساء الكلام "لإن صوتهنّ عورة وفاتحة للنميمة وكلام السوء"، إضافة إلى أنه يمنع مشاهدة الأفلام في تلك المستوطنات.

كما أن فتاوى الحاخامات وصلت إلى حد التطرف بمنع النساء الاستحام أمام "حائط" والاغتسال فقط داخل خيمة تنصب داخل المنزل، إضافة إلى منعهنّ من تصفح الإنترنت وسماع الأغاني أو الغناء وارتداء البنطال، حتى أن بعضهم يحظر التعليم على الإناث ويقصره على الرجال فقط.

"يهودة" الدولة

تنامي ظاهرة "جيتو" المتطرفين اليهود، طرحت تساؤلاً جديّاً حول تأثيرهم على إسرائيل في المستقبل، ودورهم في تمكين مشروع "يهودية الدولة".

وبحسب الإحصاءات الرسمية، فإن اليهود المتشددين يحتلون 40% من المناصب الحكومية في إسرائيل، وقرار تجنيد "الحريديم" وغيرهم من الطوائف الأرثوذكسية سيجعلهم يشكلون 40% أيضاً من الجيش، ما يمنحهم نفوذاً كبيراً يعرف الحاخامات كيف يوظفونه ويستغلونه لتحقيق مصالحهم.

لكن الأمر لا يقتصر على ذلك، إذ إن تزايد نسبة المواليد لدى هذه الفئة ثلاثة أضعاف نظرائهم في إسرائيل. ووفقا لدراسة إحصائية أجرتها الجامعة العبرية بالتعاون مع جامعة بوسطن الأمريكية، فإن نسبة الزيادة الطبيعية لدى مجتمع الحريدي تصل إلى 4- 5%، أي أن الحريديم يضاعفون أنفسهم كل 18 عاما تقريبا.

وأشارت الدراسة إلى أن معدل ولادة المرأة الحريدية في الفترة منذ مطلع الثمانينيات إلى مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وصل إلى 15%. وأن المرأة الحريدية تساوي ثلاث نساء من الإسرائيليات غير المتدينات في معدل الإنجاب، ما يعني تحول إسرائيل إلى دولة دينية متطرفة على مدى المستقبل البعيد.

ويتفق مع هذة النتائج الباحث الإسرائيلي في جامعة حيفا، أرنون سوفير، الذي يحذر من أن الحريديم واليهود الأرثوذكس سوف يصبحون القوة الأكبر في إسرائيل بحلول عام 2030.

المجال الحيوي

كما يتوقع بحث سوفير، أن يصل تعداد الحريديم بحلول عام 2030 إلى أكثر من مليون شخص، خاصة في ظل الزيادة الطبيعية لدى الحريديم، والتي تتراوح بين 6- 7%، ما يعني أن إسرائيل ستجد نفسها أمام ثلاثة سيناريوات، الأول يتمثل في خضوع القطاع العلماني للعادات والتقاليد الحريدية، صهر القوى العلمانية الإسرائيلية لنفسها في بوتقة واحدة لمواجهة التيار الديني الصاعد.

أما السيناريو الثالث فقد يشهد تراجع الديمقراطية الإسرائيلية في مقابل القوى المناهضة للديمقراطية، إضافة إلى اتجاه القيادات المحركة للمجتمع الحريدي إلى ضم أراضٍ خاصة للفلسطينيين من أجل استيعاب هذه الزيادة الطبيعية في تكرار بائس لنظرية "المجال الحيوي" العنصرية.