ربما لم يتوقع آلاف الأوكرانيين أن مظاهراتهم التي ضجت بها شوارع العاصمة كييف، بقصد الإطاحة برئيسهم الموالي لروسيا، فيكتور يانوكفيتش، قد تصبح مقدمة لتقسم بلدهم على أسس قومية تتبع كل منها لنفوذ دولة ما.

فالتظاهرات الغاضبة من خضوع يانوكيفتش لاملاءات موسكو ورفضه خطة لتقارب أوكرانيا مع الاتحاد الأوروبي، أثارت مخاوف روسيا على نفوذها في جزيرة القرم، التي تحوي على أسطول عسكري ونووي تابع لها. كما فتحت التظاهرات"شهية" تركيا، لاستعادة نفوذها في شبه الجزيرة ذات الأهمية والاستراتيجية والمطلة على البحر الأسود، فأنقرة تحتفظ بامتداد لها هناك عبر الأقلية التتارية في القرم، إحدى التركات العثمانية السابقة.

ولم يكد الأوكرانيون يلتقطون أنفاسهم احتفاءً بهرب رئيسهم المعزول، حتى بدأ متظاهرون آخرون غلبت عليهم القومية الروسية في القرم، سلسلة احتجاجات تطالب بالاستقلال عن كييف والتكامل مع امتدادهم الروسي القوي، وكان لهم ما أرادوا في شهر مارس (آذار) الماضي.

لكن القرم شهد تظاهرات انفصالية أخرى، نظمتها جموع أوكرانية وأخرى تتبع للأقلية التتارية المنتمية عرقياً وثقافياً ودينياً بتركيا، الذين بدأوا يتحدثون عن تاريخ روسيا في اضطهادهم، مطالبين بحكم ذاتي لهم في شبه الجزيرة الغنية بالثروات.

"أوغلو" و"أغلو"
بعد أيام من أحداث القرم، اجتمع وزير الخارجية التركي، أحمد داود أوغلو، في كييف، مع الرئيس الأوكراني المؤقت، ألكسندر تورتشينوف، وبحضور الرئيس السابق للمجلس الوطني لتتار القرم مصطفى جميل قرم أوغلو.

واستدعاء تركيا جاء من أجل مساعدة الحكومة في كييف في دعم نفوذها ووجودها داخل شبه جزيرة القرم التي يسيطر عليها الروس.

وعلى الرغم من أن تركيا لا تسعى للدخول في صراع مع روسيا، وهذا ما جعل أنقرة – بحسب المراقبين- تحيّد علاقتها بموسكو في الأزمة السورية، إلا أن أزمة أوكرانيا استوجبت هذا التدخل، فضم موسكو شبه الجزيرة إليها استناداً إلى انتماء أكثر من نصف السكان للقومية الروسية، سيحرم أوكرانيا من بوابة مهمة على المنطقة الأوروبية ويؤدي إلى تداعيات في بلدان مجاورة ويهدد الاستقرار في المنطقة التي تعد شرياناً حيوياً للطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا، وبالتالي الاضرار بالمصالح الاقتصادية التركية، وهنا كان لا بد للأنقرة من توظيف الأقلية التتارية، التي يصل تعدادها لنحو300 ألف نسمة، كورقة ضغط وتوافق في الوقت ذاته للخروج من الأزمة.

الورقة الطورانية
تتواصل تركيا مع امتداداتها العرقية، من خلال الإتحاد الطوراني للناطقين بالتركية، وعن طريق الجمعيات الثقافية والتنموية التي تقوم بمشاريع تعاونية وخيرية أسهمت في تعزيز نفوذها في العالم.

وحرصت تركيا دائماً على التوزيع الديموغرافي والتعداد السكاني في القرم، والتحركات الروسية الأخيرة الهادفة إلى زيادة عدد الروس في شبه الجزيرة أثارت قلق أنقرة، التي تقوم بدور "حارس" لضمان امدادات الطاقة لصالح أوروبا في منطقة آسيا والقوقاز، فأي تهديد لاستقرار هذه المنطقة يعتبر تهديداً للمصالح التركية الأوروبية.

لذلك، اعتبر وزير الخارجية التركي أوغلو، أن الحفاظ على السلام والاستقرار في أوكرانيا يعتبر مسألة ذات أهمية بالغة للغاية بالنسبة لبلاده، مشدداً في تصريح آخر على ضرورة "ضمان حقوق التتار والحفاظ على وجودهم".

أسلمة القضية
تتمتع تركيا بعلاقات سياسية وأمنية وإستخبارتية قوية مع الاتحاد الأوروبي، ما مكنها من لعب دور الوسيط في الأزمة الأوكرانية الراهنة.

وعندما قررت حكومة القرم طرح استفتاء حول الإستقلال الكامل عن أوكرانيا، الأمر الذي سيصب في المصلحة الروسية، سارعت تركيا بالضغط على الحكومة الروسية بشكل غير مباشر ومن خلال دعم التيارات المناهضة لهيمنة الكرملين في شبه الجزيرة، كان من بينها تظاهرات احتجاجية في عدة عواصم أوروبية وأمام مبنى ممثلية روسيا في الأمم المتحدة في نيوورك.

إعلامياً، أحيت تركيا قضية "مظلومية الأقلية التتارية" على يد الروس منذ العهد القيصري مروراً بالثورة البلشوفية وعقب إقامة الاتحاد السوفيتي لاحقاً، وهو ما تسبب بتهجير مئات الألوف منهم قسرياً من شبه الجزيرة هرباً من الاضطهاد.

يرى محللون سياسيون أن تركيا تستطيع بالفعل "أسلمة" قضية تتار القرم، متستندين إلى إمكانية استخدام الخطاب الديني والعرقي، والذي عبر عنه زعيم منظمة "برافي سيكتور" الانفصالية الشيشانية، دوكو عمروف، عندما أبدى استعداده تقديم الدعم المسلح للقوى الأوكرانية المناهضة لروسيا، ما دفع مفتي موسكو، ألبير كرغانوف، إلى دعوة سكان شبه الجزيرة من مختلف الطوائف إلى التعاون من أجل تعزيز السلام محذراً من عدم الوقوع في الفتنة الطائفية.