دوت مصر- معتمد عبد الغني


بعد عقدين من الغياب عن أرض «ليبيا»، يعود للوطن ولا تزال ذاكرته تستحضر مشاركته في إسقاط العهد الملكي في ليبيا عام 1969، والإتيان بـ«معمر القذافي» حاكمًا لأربعة عقود، وتشاء الأقدار أن يشارك أيضًا في إسقاط «القذافي»، إبان الثورة التي أطاحت بحكمه عام 2011؛ ليتردد في الأصداء مرة أخرى اسم «خليفة حفتر» قائد القوات البرية بالجيش الليبي السابق.


ولد «خليفة بلقاسم حفتر» في بنغازي عام 1949، وحصل على العديد من الدورات العسكرية منها (قيادة الفرق) في روسيا، وعرف عنه ميوله الناصرية العلمانية، وفي مقتبل سن العشرين انضم لمجموعة «الضباط الوحدويين» التي شكلها «القذافي» عام 1964، وساهم بعدها في تثبيت أركان حكم «القذافي» بعد وصوله لسدة الحكم بعد إسقاط نظام الملك «إدريس السنوني».


التاريخ العسكري لـ «حفتر» حافل بالبطولات التي تحسب له؛ حصل على النجمة العسكرية عام 1974؛ بعد مساهمته في حرب أكتوبر /تشرين أول عام 1973، ضمن مشاركة عربية مع مصر في حربها مع إسرائيل، وفي نهاية الثمانينات خاض حرب ليبيا مع تشاد؛ تحقيقًا لطموحات «القذافي» التوسعية تحت شعار الوحدة العربية وتصدير الثورة، واستطاع «حفتر» في فترة قصيرة دخول «تشاد»، وكان ينقصه الدعم العسكري للحفاظ على ذلك النصر، لكن «معمر القذافي» خشي من نفوذ وقوة «حفتر»، وبدا له أن الأخير سوف ينقلب عليه بعد سطوع نجمه؛ وعليه تجاهل «القذافي» الدعم اللازم لتثبيت نصر الجيش الليبي، وذهبت جهود «حفتر» أدراج الرياح، وقتل في معركة «وادي الدوم» 1269 جندياً ليبياً وأسر 438 آخرين كان من بينهم العقيد الركن «خليفة حفتر» في 22 مارس/ آذار 1987.


داخل سجون «تشاد» تحرر «حفتر» من تبعية «القذافي»، وأعلن مع مئات الجنود الانشقاق عن نظامه، وانخرط في صفوف «الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا المعارضة»، وفي يونيو/حزيران 1988، قاد «حفتر» الجناح العسكري للجبهة والذي أطلق عليه اسم «الجيش الوطني الليبي».


في أوائل ديسمبر عام 1990، قام «إدريس ديبي» بانقلاب على الرئيس التشادي «حسين هبري»، وكانت أول نتائج وصول «ديبي» للحكم، إطلاق سراح الأسرى الليبيين، وتولت القوات الأمريكية مهمة نقل عناصر «الجيش الوطني الليبي» إلى «زائير» (الكونغو الديمقراطية سابقًا)، ثم الانتقال في نهاية المطاف إلى «الولايات المتحدة الأمريكية».


عاش «حفتر» 20 عامًا في إحدى ضواحي ولاية «فيرجينا» الأمريكية، وحافظ على شعرة التواصل مع «الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا المعارضة»، وفي فبراير/شباط 2011، فضل «حفتر» صخب السياسة والحرب على الحياة الهادئة التي لم يعتادها كرجل عسكري، وقرر رغم تجاوزه سن الستين، العودة إلى ليبيا للقتال مع المتمردين ضد نظام «القذافي»، وحسبما ذكرت صحيفة أمريكية تدعى «ماكلاكي دي سي» في مارس/آذار 2011، «كان دور الجنرال حفتر لافتاً الانتباه، لأنه قام بدور مهم في مرحلة مهمة من عمر الثورة، وكان من آخر قادة المعارك ضد القذافي».


وبعد شهرين من سقوط نظام «معمر القذافي»، أثيرت مزاعم تشير إلى أن «حفتر» قد يكون استخدم من وكالة الاستخبارات الامريكية (CIA) ليؤدي دوراً مهماً في ليبيا بعد رحيل «القذافي»، وقالت مجلة «بزنز انسايدر» الأمريكية، في تاريخ 22 أبريل/ نيسان2011، نقلًا عن أشخاص يعرفون «حفتر»، إنه «من الشخصيات المحبوبة في الأوساط العسكرية (الجيش)، وأنه من القادة الذين يملكون خبرات عالية ولكن كيفية وصوله إلى ما هو عليه أثار شكوكهم»، وفي عام 2012 رفضت السلطات الانتقالية في ليبيا توصية 150ضابطًا في الجيش؛ لتعيين اللواء «خليفة حفتر» رئيسًا للأركان؛ نظرًا لخبرته وتقديراً لجهوده من أجل الثورة، في حين انتقد «حفتر» السلطات الانتقالية واتهمها بتهميش ضباط الجيش الليبي السابق في عهد «معمر القذافي» رغم انضمامهم المبكر لصفوف الثورة.


بعد تحول مدينة «بنغازي» - مهد الثورة الليبية- إلى معقلٍ للجماعات الإسلامية المسلحة، أعاد «حفتر» تقديم نفسه في صورة «منقذ ليبيا» من فوضى الجماعات الإسلامية المسلحة، وقام بعملية عسكرية في فبراير/شباط 2014 ضد تلك الميلشيات المسلحة؛ بوازع القضاء على الإرهاب، وصعد من لهجته ضد السلطات الانتقالية، في فيديو مسجل أثار الجدل عندما تطرق من خلاله «حفتر» لـ «مبادرة» تنص على تعليق عمل السلطات الانتقالية، ومؤكدًا أن تحركه قائم على مطلب شعبي وليس انقلابًا كما أدعى معارضوه، لكن «حفتر» تراجع عن تلك المحاولة ليعطي الفرصة للسلطات الانتقالية للتحرك ضد الميلشيات المسلحة، واللافت للنظر أن المعارضين لخطوته العسكرية، لم تتردد الميلشيات المسلحة في إلحاق الأذى بهم، مثل رئيس الوزراء آنذاك «علي زيدان» الذي تم اختطافه من قبل الجماعات المتشددة.


بعد فترة من الصمت الذي يسبق العاصفة، أدرك «حفتر» أن الحكومة الليبية لن تحرك ساكنًا ضد عنف الميلشيات المسلحة، وبدأ مجددًا التحرك من جديد، وأطلق في 16 مايو / أيار 2014، عملية (كرامة ليبيا) أو (معركة الكرامة)؛ مستهدفًا «تطهير ليبيا من الإرهاب والعصابات، والخارجين عن القانون والالتزام بالعملية الديمقراطية ووقف الاغتيالات التي تستهدف الجيش والشرطة».


وأعلن «حفتر» أن العملية ليست انقلاباً وأن الجيش لن يمارس الحياة السياسية، وحربه على الإرهاب هدفه الأساسي، ما دفع جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا إلى الخلط وتشبيهه بالمشير عبد الفتاح السيسي في حين رأى أنصار«حفتر» أنه طوق النجاة من الإرهاب في البلاد.