لبنان – مراسل دوت مصر – قاسم محمد يوسف

واحدٌ وسبعون عاماً هو عمر لبنان المستقل، تولى الحكم خلالها إثنا عشر رئيساً للجمهورية، بعضهم أرسى الهيكل الأساس لبناء الدولة والمؤسسات وعزز سيادة لبنان وإستقلاله وحريته، وبعضهم فرضته التسويات والمصالح الإقليمية والدولية.
وما بين هذا وذاك، هناك من أُغتيل قبل أن يحكم، بل قبل أن يؤدي اليمين الدستوري ويتلو خطاب القسم.

الأهمية التي إكتسبها رئيس الجمهورية في لبنان لم تكن وليدة صلاحيات تقليدية وحسب، بل تعدتها إلى كونه الرئيس الأول، وسابقاً الوحيد، المنتخب بشكل ديمقراطي في العالم العربي.
إضافة إلى أنه- كان ولا يزال- الرئيس المسيحي الوحيد في المنطقة، إنطلاقاً من سواحل الهند وصولاً إلى شواطئ المغرب.

رؤساء ما قبل إتفاق الطائف 1943 - 1988

قبل إتفاق الطائف, كان رئيس الجمهورية في لبنان يحظى بصلاحات واسعة, وغالبية رؤساء تلك الفترة كانوا من الأقوياء الذين يمتلكون حيثية شعبية كبيرة على مستوى الساحة المارونية والمسيحية بشكل خاص, وعلى مستوى الساحة الوطنية بشكل عام.

 


بشارة الخوري
أول رئيس للجمهوية اللبنانية بعد الإستقلال، أنتخب في 21 سبتمبر، أيلول عام 1943، حصل على 44 صوتاً من أصل 55 فأصبح رئيساً من الدورة الأولى, ثم عاد وحظي بولاية ثانية لكنه ما لبث أن إستقال من منصبه عام 1952 بعد الضغط الكبير الذي مارسته المعارضة ضده جراء إتهامه بالفساد.

من أهم إنجازات بشارة الخوري مشاركته في تأسيس "الميثاق الوطني", وهو ميثاقٌ شفوي غير مكتوب لا يزال يحكم الحياة السياسية اللبنانية حتى اليوم بحيث تم الإتفاق من خلاله على توزيع السلطة والخروج من سياسات المحاور.

 

 


كميل شمعون
أنتخب في 23 سبتمبر، أيلول عام 1952, حصل على 74 صوتاً من أصل 77 فأصبح رئيساً من الدورة الأولى.
عُرف بشخصيته القوية وبحنكته السياسة و يُصنف في خانة الرؤساء الأقوياء.
 إلا أن فترة حكمه لم تكن مستقرة, فقد تأثرت بمحيطها الملتهب لا سيّما بعد تماهى شمعون مع المحور الغربي المناهض للمد الشيوعي والمد الناصري والوحدة العربية, فإقترب من حلف بغداد ورفض قطع العلاقة مع الدول التي شنت العدوان الثلاثي على مصر.
هذه الأزمة كادت أن تُفجر الوضع الداخلي برمته عام 1958 وأن تتسسب بحرب طائفية بين غالبية المسلمين المؤيدين للوحدة العربية وللرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر وبين غالبية مسيحية مؤيدة للمحور الغربي ومتخوفة من تداعيات تأسيس الجمهورية العربية المتحدة على مستقبلهم السياسي والوجودي

 


فؤاد شهاب
أنتخب في 31 يوليو، تموز عام 1958, حصل على 48 صوتاً من أصل 66 فأصبح رئيساً من الدورة الثانية, عام 1964 رفض الرئيس شهاب تجديد ولايته رغم موافقة ثلثي مجلس النواب.
عمل على التوافق بين المتخاصمين ضمن صيغة "لا غالب ولا مغلوب" وأعاد العلاقة مع الدول العربية إلى سابق عهدها وبدأ مسيرة من الإصلاح الإداري الشامل ومن بناء وتعزيز مؤسسات الدولة.
عُرف بشخصيته اللينة وبعقله المنفتح وبقدرته الإستثنائية على تدوير الزوايا وإجتراح الحلول, وقد أجمع المراقبون على إعتباره الأفضل بين رؤساء الجمهورية في لبنان.

 


شارل الحلو
أنتخب في 17 أغسطس، آب 1964, حصل على 92 صوتاً من أصل 99 فأصبح رئيساً من الدورة الأولى وبشبه إجماع.
لم يكن رئيساً قوياً يمتلك حيثية شعبية وازنة, بل كان رئيس الضرورة وأنتخب كحل وسط بين طرفي النزاع لا سيّما وأن التوتر بين المسلمين والمسيحين كان لا يزال قائماً على خلفية الأحداث التي جرت في عهد الرئيس كميل شمعون عام 1958 بالإضافة إلى التشنج المتصاعد بينهما على خلفية الملف الفلسطيني.
لعب دور التوفيقي ونجح إلى حد كبير في إرساء جو من الهدوء والإستقرار الأمني والسياسي, ختم الحلو فترة حكمه بالموافقة على توقيع إتفاق القاهرة الذي منح المقاومة الفلسطينة ومنظمة التحرير شرعية العمل العسكري والسياسي والفدائي إنطلاقاً من الأراضي اللبنانية.

 


سليمان فرنجية
أنتخب في 17 أغسطس، آب عام 1970, حصل على 50 صوتاً من أصل 99 فأصبح رئيساً من الدورة الثانية بعد معركة قوية أُشتهرت بـ "معركة الصوت الواحد" بوجه المرشح إلياس سركيس الذي حصل على 49 صوتاً.
شهد عهده إرتفاعاً غير مسبوق في حدة التوتر بين المسلمين والمسيحيين على خلفية العمل العسكري الفلسطيني في لبنان لا سيّما بعد تشريعه في إتفاق القاهرة, هذا التوتر ما لبث أن إنفجر في 13 نيسان 1975 تاريخ بداية الحرب الأهلية.

 


إلياس سركيس
أنتخب في 8 آيار عام 1976, حصل على 66 صوتاً من أصل 99 فأصبح رئيساً من الدورة الثالثة.
حكم لبنان خلال أسوأ مرحلة في تاريخه, فبدأ ولايته على وقع الحرب الأهلية وأنهاها عشية الإجتياح الإسرائيلي, شهد على تداعي الدولة ومؤسساتها وعلى نهوض الميلشيات وإقامة خطوط التماس وتسعير الخطاب الطائفي.

 


بشير الجميّل
أنتخب في 23 أغسطي، آب عام 1982, حصل على 62 صوتاً من أصل 99 فأصبح رئيساً للجمهورية من الدورة الثانية.
لم يُنتخب في المجلس النيابي, جراء الإجتياح الإسرائيلي لمدينة بيروت, بل داخل المدرسة الحربية في منطقة الفياضية جنوبي شرق بيروت.
أغتيل الجميّل قبل أداءه اليمين الدستوري في 14 سبتمبر، أيلول من العام نفسه, أي بعد 21 يوم من إنتخابه, على يد حبيب الشرتوني المنتمي إلى الحزب القومي السوري الإجتماعي.
عُرف أثناء الحرب الأهلية كزعيم ميليشا مسيحية مسلحة, تحول بعدها إلى الزعيم السياسي الأول على مستوى الساحة المسيحية, لعب دوراً محورياً في الإجتياح الإسرائيلي عام 1982 وما نتج عنه من دخول بيروت الغربية وإستسلام منظمة التحرير الفلسطينية.

 


أمين الجميّل
أنتخب كسلفه في منطقة الفياضية بتاريخ 21 سبتمبر، أيلول عام 1982, حصل على 77 صوتاً من أصل 99 فأصبح رئيساً من الدورة الأولى.

إنتخابه كان محاولة لإمتصاص غضب الشارع المسيحي بعد إغتيال شقيقه الرئيس بشير الجميّل,
عمّت الفوضى فترة حكمه وتشعبت الخلافات ودخل العامل الإقليمي والدولي بقوة على خط الأزمة إنطلاقاً من إتفاق 17 مايو، أيار مروراً بدخول الجيش السوري والإسرائيلي والقوات المتعددة الجنسيات وصولاً إلى الحرب الباردة, وبالتالي, تحّول لبنان من ساحة للمعارك الأهلية إلى حلبة لصراع المحاور.

هذا الواقع أعاق إجراء إنتخابات رئاسية عام 1988 ما دفع بالرئيس أمين الجميّل إلى تشكيل حكومة عسكرية يترأسها قائد الجيش انذاك العماد ميشال عون بهدف تسلم صلاحيات الرئيس وإدارة شؤون البلاد.

رؤساء ما بعد إتفاق الطائف 1989 - 2014

بعد فراغ في رئاسة الجمهورية دام قرابة العام ونيّف, وبعد حرب أهلية طاحنة إمتدت منذ العام 1975 إلى العام 1989, إجمتع المتخاصمون في مدينة الطائف السعودية وتوصلوا إلى حل شامل يقضي بتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية ووضعها في عهدة مجلس الوزارء مجتمعاً, وبإعتماد مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسحيين.

 


رينيه معوّض
أنتخب في 5 نوفمبر، تشرين الثاني عام 1989, حصل على 58 صوتاً من أصل 73 فأصبح رئيساً من الدورة الأولى, جلسة إنتخاب معوّض لم تكن أيضاً في مجلس النواب بل في مطار القليعات شمال لبنان نظراً لتردي الأوضاع الأمنية.

أغتيل رينيه معوض بعد 17 يوماً من إنتخابه وذلك عبر إنفجار إستهدف موكبه يوم عيد الإستقلال بتاريخ 22 تشرين الثاني عام 1989, أصابع الإتهام توجهت مباشرة نحو النظام السوري كونه كان رافضاً لوصول معوض إلى رئاسة الجمهورية.

 


الياس الهرواي
أنتخب في 24 نوفمبر، تشرين الثاني عام 1989, حصل على 52 صوتاً من أصل 73 فأصبح رئيساً للجمهورية من الدورة الأولى, عملية الإقتراع لم تحصل أيضاً في المجلس النيابي بسبب الأوضاع الأمنية بل تم إنتخابه في فندق "بارك أوتيل" في منطقة شتورة شرقي لبنان.
في عهد الرئيس الياس الهرواي أحكم النظام السوري سيطرته على المفاصل الحيوية وأصبح اللاعب الأبرز على الساحة اللبنانية, كان من المفترض أن تنتهي ولاية الهرواي عام 1995, لكنه حظي بتمديد مدته ثلاث سنوات وذلك بعد تصريح شهير أدلى به الرئيس حافظ الأسد من القاهرة لجريدة الأهرام المصرية.

 


إميل لحود
أنتخب في 13 تشرين الأول عام 1998, حصل على 118 صوتاً من أصل 128 فأصبح رئيساً من الدورة الأولى.
وصل إميل لحود إلى رئاسة الجمهورية برغبة مباشرة من النظام السوري وقد
حكم على سجية سلفة, ست سنوات مرت بهدوء, لكن المشكلة بدأت عقب التمديد للرئيس لحود بناءً على رغبة الرئيس السوري بشار الأسد عام 2004, فصدر القرار 1559 عن مجلس الأمن الدولي, تبعه إغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري في 14 فبراير، شباط 2005 وخروج الجيش السوري من لبنان في أبريل، نيسان من العام نفسه.
رغم هذا الوضع, أكمل الرئيس إميل لحود ولايته حتى اللحظة الأخيرة من العام 2007, وبعد خروجه تعّذر إنتخاب رئيس جديد بسبب الوضع السياسي المتأزم, فدخل لبنان في الفراغ الرئاسي.

 


ميشال سليمان
أنتخب في 25 أيار عام 2008, حصل على 118 صوتاً من أصل 128 فأصبح رئيساً من الدورة الأولى.
وصول الرئيس سليمان إلى سدة الرئاسة جاء نتيجة لــ "إتفاق الدوحة", وهو إتفاقٌ وقعّه جميع القادة في العاصمة القطرية وكان بمثابة حل سياسي يُنهي الأزمة المحتدمة بين اللبنانيين لا سيّما بعد أحداث السابع من أيار عام 2008 والتي أقدم فيها حزب الله وحلفائه على القيام بعمليات عسكرية مُسلحة شملت مناطق واسعة من بيروت وجبل لبنان جراء إعتراضه على قرار حكومي إتخذه مجلس الوزراء في 5 أيار من العام نفسه.

بإنتظار التوافق .. تتعاظم الخشية من الفراغ
في 25 مايو، أيار من العام الجاري, تنتهي ولاية الرئيس ميشال سليمان, وحتى الساعة لم يتم إنتخاب رئيس جديد, المهلة الدستورية بدأت في 25 أذار من العام الحالي وشهدت جلسة واحدة لمرشحيّن, وهما الدكتور سمير جعجع, مرشح قوى الرابع عشر من أذار, والنائب هنري حلو, مرشح كتلة اللقاء الديمقراطي, فيما غاب أي مرشح لقوى الثامن من أذار.
الدكتور جعجع حصل على 48 صوتاً, والنائب الحلو على 16, فيما الدورة الأولى تُوجب تصويت ثلثي مجلس النواب لمرشح واحد, أي ما يعادل 86 صوتاً, وبعد الدورة الأولى, يفوز المرشح فور حصوله على النصف زائد واحد, أي 65 صوتاً, ودائماً بحضور نصاب ثلثي مجلس النواب. 
قوى الثامن من أذار "طيّرت" النصاب في أربع جلسات متلاحقة بهدف إتمام المشاورات التي يجريها العماد ميشال عون مع الرئيس سعد الحريري والتي قد تُفضي إلى إعتماده كمرشح وفاقي.
وبإنتظار خرق مرتقب, تتعاظم الخشية من الوصول إلى تاريخ 25 مايو، أيار دون إنتخاب رئيس, ما يعني دخول لبنان في فراغ رئاسي قد يصعب الخروج منه دون تسوية خارجية شاملة.