بيروت -دوت مصر- نبيلة غصين


بصعوبة بالغة، تروي لنا سوسن، الفتاة القاصر، كيف تعرضت على مدى عام كامل للاغتصاب والاستغلال، يرتجف صوتها ألف مرة قبل ان تنطق بكلمة أو قبل أن تتمكن من ترتيب جملة متكاملة، يعزو والدها ذلك إلى قصور في النضج والنمو.

ليلة مقتل «البراءة»
تقص علينا سوسن ما مرت به على مسمع من والدها الذي رغم صعوبة الموقف يأبى أن يتركها للحظة، فتجده يدعمها بنظراته كي تكمل حديثها وألا تخاف، يجلب إليها الماء حين تغص بكلماتها، ويطلب منا التوقف ليحضنها عندما تجهش بالبكاء، رجل جمع كل حنو الأمهات في قلبه وكل شجاعة الرجال في مواقفه ومبادئه.

حين بلغت الخامسة عشر من عمرها كانت أوضاع الوالد تزداد سوءً، ما إضطرها إلى البحث عن عمل كي تخفف من الأعباء، كانت تخرج من منزلها عند الساعة الثامنة صباحا تستقل " الفان"، وهو وسيلة نقل يتسع لأربعة عشرة راكبا، وتعود عند الساعة السابعة مساء.

وبمرور الايام، راح سائق "الفان" يتودد إليها، أوهمها بأنه يحبها ويريد الزواج منها، فأخذ وعلى مدة شهر تقريباً ينتظرها في الوقت التي تخرج فيه ليقلها من وإلى العمل.

وفي أحد الأيام طلب منها البقاء ريثما يوصل باقي الركاب، إعتقدت أنه يريد أن يكلمها على إنفراد، وبعد أن خلى " الفان " من الزبائن، راح يغدق عليها الكلام المعسول ويتنقل بها من شارع إلى شارع.

فرحت كثيراً بالعصير الطازج الذي قدمه لها وفرحت أكثر بحبه، لم تكن تعلم أن كوب عصير سيقلب حياتها رأسا على عقب.

إستفاقت بعد زوال مفعول المخدر لتجد نفسها عاريةً مدرجةً بالدماء، ومنذ ذلك الحين وسوسن تعيش "اللاوعي" وكأن ما حدث ويحدث من حولها، كما تعبر، لا يعنيها بالمطلق، كمن يشاهد فيلماً لا تتوقع نهايته.

الخوف من الفضيحة
عاود المغتصب فعلته أكثر من مرة، كان يهددها بفضحها بين ذويها وجيرانها إن لم تذهب معه، أما هى فكانت ترضخ مخافة من الفضيحة.

مرت أشهر قليلة تعرفت خلالها سوسن على أحد أبناء الحي الذي طلب منها التعرف إلى ذويها بهدف الزواج، خافت أن ينفضح أمرها ويعلم هذا الشاب الذي أحبته ووثقت به بأنها ليست عذراء، فأخبرته بالحقيقة كاملة، مجدداً راح يستغل ضعفها وخوفها، ويهددها بالفضيحة ما لم تمتثل لطلباته.

لأكثر من سنة وهي تتعرض للإغتصاب ولم تستطع إخبار أحد، كانت خائفة من والدها وخائفة عليه وهو يعاني من تضخم في القلب، خائفة من الفضيحة، من المجرمين الذين يرسلون إليها التهديدات بنظراتهم وبإشارات يديهم التي تنذرها بالقتل، خائفة من المجتمع الذي سيعتبرها لا محالة المذنبة الأولى.

بدأت حالتها النفسية تزداد سوءاً، تصرخ على كل من في المنزل بطريقة هستيرية.

«ذئبان» في قفص الاتهام
حين ذهبت إلى الطبيب النسائي مع والدتها لم تكن تعلم بأنها حامل، هناك علمت أنها في الشهر الخامس، وهناك بدأ فصل جديد من العذاب، وأصبحت الفضيحة أمراً واقعاً.

عبثاً حاولوا إجهاض الجنين إلا ان أيًا من الاطباء وافق على إجراء العملية لخطورتها على حياة سوسن ، عندها إضطرت الوالدة إلى إخبار زوجها بعدما نفذت كل السبل لإخفاء إنتفاخ بطنها، تسلح الوالد بالإيمان والصبر ولجأ إلى القضاء ليأخذ حق إبنته، أنكر المغتصب الأول جريمته فيما إعترف الثاني مخففاً من هول فعلته بأنه لم يفقدها عذريتها.

"لن أزوجها إلى أحد من هؤلاء المجرمين"، هكذا قال الوالد كلمته ووقف معلناً انتهاء الزيارة وسط ذهول الحاضرين من "كبار" المنطقة الذين جاؤوا لحل القضية، طالبين منه الإنتظار ريثما تلد سوسن طفلها لإجراء فحص الحمض النووي ومعرفة والد الطفل، رفض الوالد الأمر، غادر الحاضرون حاملين وجوههم المكفهرة ململمين ما بقي لديهم من حياء.

لم يرض الأب بتزويج إبنته إلى أي من المغتصبين، لن يسلم إبنته إلى المجرمين بيديه، قالها بأعلى صوته "على شواربي رح ربي الولد، هذه إبنتي وأنا مسؤول إحميها".

حمل ثقيل إرتضاه لنفسه، أب رفض أن تلوى ذراعه فرفض منطق القتل وغسل العار ولجأ إلى العدالة كي تأخذ مجراها، يلتفت إلى إبنته من جديد يضمها إليه طالباً منها التوقف عن البكاء فيما تستكين هي على صدره مغمضة عينيها.

تنتمي سوسن إلى عائلة فقيرة تتألف من تسعة أفراد، الام والاب وسبعة أولاد، لم تسمح ظروف العائلة الإقتصادية بإكمال دراستها فوصلت إلى الصف الثالث إبتدائي، لتصبح بعدها طفلة متسربة من المدرسة تساعد والدتها في الأعمال المنزلية.