عزيزي..

مر أمامي اقتباس لحوار عبثي تسأل فيه إحداهن حبيبها ما إذا كان راضيًا عن آخر حوار بينهما. ظننت في البداية أنها تلومه ولكنها لم تكن تلومه. كان السؤال أقرب لاستمارات تقييم الخدمة في المطاعم، كانت تسأل حتى تتأكد أنه متأكد من حبها له، وأنهما يعيشان الحياة حتى آخر قطرة، وأنهما ملتزمان بقواعد الحب في زمن الفقد.

في زمن الفقد يرفع الجميع شعار "احضنوا الحاجة بضمير"، يخشى الجميع من وداع مفاجيء. تسود دعوات إظهار الحب بعد كل فاجعة. يخلف الفقد الكثير من الندم. ندم نابع من خوف. نخاف ألا تمنحنا الحياة الفرصة للاكتفاء منها.

هل يمكننا الاكتفاء حقًا من الحياة؟ هل يكفي أن "نحضن الحاجة بضمير" حتى لا يطاردنا الندم والخوف؟

لا أخفيك أنني ربما منذ سنوات قليلة لكنت أجبت الأسئلة السابقة بالإيجاب. ولربما طاردتك بالمشاعر وبالغت في التأكيد على حبي لك وامتناني لوجودك. منذ سنوات قليلة ربما لم أكن لأحضنك بضمير (لاعتبارات مفهومة)، ولكنني بكل تأكيد كنت سأعمل على تأكيد أنه لولا تلك الاعتبارات لما فارقت أحضاني أبدًا.

ولكن الكثير يحدث في سنة، فما بالك بسنوات. اكتشفت في تلك السنوات أن التأكيد في التعبير عن المشاعر لم يقلل من ذنب ما بعد الفقد. تعلّمت أن "حضن الحاجة بضمير" لن يؤدي أبدًا إلى "الشبع". وأنه كلما حيينا أردنا المزيد من الحياة.

وعيت في السنوات التي سبقت لقاءنا درس الحياة الأهم: أن لا فرار من الفقد وأن لا جدوى من الحب تحت مظلته.

هل لا أخشى فقدك؟

بالعكس! ولكن هذا لن يغير من الأمر أي شيء. أخشى أن أفقدك ولكني لن ألح عليك بمشاعري، لن أبالغ في تأكيد امتناني لوجودك بحياتي. ليس فقط لأنك تعرف أني أحبك وأني ممتنة وأني أخشى أن أفقدك، ولكن لأنني أعرف بأن المبالغة ابتذال. وأن "وحشتني" مئة مرة باليوم لا تعبر عن "الوحشة" التي تعبر عنها "وحشتني" بعد غيبة.

لا أبالغ في إظهار المحبة لأنه ربما الظروف لا تسمح بأن تبادلني مبالغتي مبالغة. وربما إن لم تبادلني المبالغة بمبالغة لظننت أنك لا تبادلني المحبة. وأنا أعرف بأن المحبة موجودة ومتبادلة ولا تحتاج إلى تأكيد.

أنا لا أخشى فقد المحبة، فقط أخشى أن أفقدك! فرجاء، "بلاش تفارق".