الاستقواء على الضعف. الاستمتاع بالتحكم في مصير أرواح. السعادة بامتلاك القوة في مواجهة العجز. الانتشاء بالاستجداء ورؤية الخوف في عيون المستجدي. الإحساس بالراحة بعد دهس صرصار مزعج.... كل ما مضى يلخص لماذا سخطنا على إسرائيل حين قتلت محمد الدرة، في مثل هذا اليوم 30 سبتمبر من عام 2000.

كم من طفل وصبي فلسطيني قتلوا على يد الجيش الإسرائيلي، ولكن تصادف أن قناة "فرنسا2" نقلت الحدث وهذا هو الفارق بينه وبين غيره... شوهد محمد الدرة على شاشات التلفاز العالمية وهو في حضن أبيه مختبأين وراء برميل أسمنتي في الشارع... الصبي البالغ من العمر 12 عاما ينتحب خوفا، والأب يرفع يده مستجديا جنود الدولة العبرية بالتوقف عن إطلاق النار، لأنه لا علاقة له بالمسلحين الفلسطينيين، ومعه صبيّه، إلا أنهم أطلقوا الرصاص تجاهه وقتلوا الطفل. وقال شارل إندرلان، رئيس مكتب قناة "فرنسا2"، إن القوات الإسرائيلية قتلت الصبي عمدا، وأنه ووالده كانا هدفا لها.


مقتل الدرة جاء في ذكرى ميلاد "مولانا الحب" جلال الدين الرومي، الذي شرف دنيانا في مثل هذا اليوم من عام 1207، ليغوص داخل أنين الناي، ويفسر سر حزن صوته، وذلك في قصيدته "أنين الناي"، التي قال فيها:
أنصت إلى الناي يحكي حكايته..
ومن ألم الفراق يبث شكايته:
ومذ قطعت من الغاب، والرجال والنساء لأنيني يبكون
أريد صدراً مِزَقاً مِزَقاً برَّحه الفراق
لأبوح له بألم الاشتياق..
فكل من قطع عن أصله
دائماً يحن إلى زمان وصله..
وهكذا غدوت مطرباً في المحافل
أشدو للسعداء، وأنوح للبائسين
وكلٌ يظن أنني له رفيق

وكأن الرومي كان يقول هذه القصيدة للفلسطينيين المشردين، الذين قطعوا من أصلهم وشردوا، كما يقطع العود من شجر الغاب ليصنع منه الناي. ومن بقي منهم بات يعاني من القمع، كما يعاني الغاب من بلطة الحطاب.

رسائل في يوم الدرة "30 سبتمبر"

استشهد الدرة في اليوم الدولي للترجمة، وكأنه يعطي رسالة للعرب وخصوصا الفلسطينيين، تفيد أن التواصل مع الخارج لابد أن يكون بلغته لكي يتعاطف مع قضيتك، وكم من قضية خسرت بسبب محام لا يجيد الحديث مع القاضي.

في ذكرى الدرة توفي المؤرخ المغربي عبدالكريم الفيلالي عام 2013، وهنا رسالة، تفيد أن تلك الجريمة لا تسقط بالتقادم، ولابد أن تحفر في التاريخ وتتوارثها الأجيال العربية، فربما دفعهم دم الدرة لامتلاك القوة، حتى لا يصبحوا صيدا لأعدائهم مثله.
الإرهابي أنور العولقي، القيادي في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، قتل في ذكرى الدرة عام 2011... وهنا رسالة تفيد بأن الإرهاب يعرقل مسيرة العرب ويؤخرهم سنوات أمام إسرائيل التي تقفز إلى الأمام كل يوم، كما أنه يمنع تعاطف القوى الكبرى معهم.

قُتل الدرة في ذكرى رحيل عبدالرحمن الداخل، الملقب بصقر قريش، ومؤسس الدولة الأموية في الأندلس، الذي رحل عام 788... والرسالة تقول: إن أمجاد العرب القدامى كانت وبالا على العرب الحداثى، الذين اكتفوا بالعيش على ماضي أجدادهم، حتى أصبحوا عالة على العالم، فاحتُلت أرضهم وقُتل أطفالهم واغتُصبت نساءهم.

استشهاد الدرة كان في عيد ميلاد رئيس وزراء إسرائيل، إيهود أولمرت المولود عام 1945. موت صبي يواجه حياة شيخ، معادلة معكوسة بالتأكيد... الموت أمام إسرائيل لن يزيدنا إلا موتا؛ لابد أن نمتلك قرار الحياة الذي امتلكته وهزمتنا به... حرية، عدل، علم، اقتصاد، جيش. أشياء لابد أن تكون في أيدينا كي لا تتكرر مأساة محمد الدرة.

في ذكرى الدرة عام 2010 أصدرت محكمة هندية حكما لصالح تقاسم أرض مسجد بابري المتنازع عليه بين الهندوس والمسلمين منذ عشرات السنين، على أن يمنح للمسلمين ثلث الأرض ويتم تقاسم الثلثين الباقيين على الجماعات الهندوسية... الرسالة هنا، أن العلمانية في الهند جعلت ربع مليار مسلم يعيشون هناك بشكل طبيعي مع الأغلبية الهندوسية. بالطبع ناضل المسلمون والهنود عموما من أجل حريتهم، ولكن واقع الحال اليوم يقول إن النظام العلماني هناك كسر حدة التعصب الديني، وجعل الهندوس يتعايشون مع المسلمين، فماذا لو أقيمت دولة علمانية على أرض فلسطين التاريخية لا تفرق بين مسلم ويهودي ومسيحي وبهائي ودرزي وملحد. لا تفرق بين عربي وعبري. أعتقد أن ذلك هو الحل لكي لا يسقط كل يوم درة جديد، ولكي يكف الحطاب بلطته عن شجرة الغاب، ولكن هذا الحل لن يأتي إلا بفرضه على إسرائيل، والقوي فقط من يستطيع أن يفرض.