الزيارة الأخيرة للرئيس السيسي للولايات المتحدة وحديثه بشكل إيجابي عن العلاقات بين البلدين، تثير بالتأكيد سؤالا حول طبيعة العلاقة بين مصر والولايات المتحدة والأساس التي تقوم عليه.

هناك قول مأثور في العلوم السياسية، وهو أنه لا يوجد في العلاقات الدولية أصدقاء دائمون، ولكن توجد مصالح دائمة. أي أن العلاقات بين الدول تنشأ وتتطور استنادا لمدى تحقيقها للمصالح الوطنية لكل دولة. وينطبق هذا القول بشكل كبير على العلاقات بين مصر والولايات المتحدة. فالعلاقة بين البلدين تقوم بالأساس على تحقيق عدد من المصالح لكل بلد. وبالتالي فإنّ نقطة البداية في تقييم العلاقة بين مصر والولايات المتحدة هي تحليل مصالح كل بلد تجاه الآخر، وما هي طبيعة المنافع التي تعود على كل بلد من هذه العلاقة.

وبالرغم من الجدل الذي يثور من وقتٍ لآخر في أوساط النخبة المصرية حول العلاقات المصرية الأمريكية، إلا أنه يلاحظ غياب مفهوم المصلحة في تقييم تلك العلاقة، كذلك يندر وجود وثيقة رسمية أو غير رسمية تتحدث بشكل واضح عن المصالح التي تسعى مصر لتحقيقها في علاقاتها مع الولايات المتحدة.

على العكس من ذلك نجد أن الولايات المتحدة لها مصالح واضحة تجاه مصر عبرت عنها في العديد من الوثائق الرسمية، حيث تشير هذه الوثائق إلى أن الولايات المتحدة تسعى للاحتفاظ بعلاقات طيبة مع مصر بهدف الاستفادة من الدور القيادي لمصر في الوطن العربي، فبرغم ما يردده البعض عن تراجع الدور الإقليمي المصري، فإن الولايات المتحدة تنظر إلى مصر على أنها صاحبة المبادأة، والقادرة على تحديد أجندة المنطقة، والنموذج الذي تحتذيه العديد من هذه الدول في القضايا الإقليمية، وأن الضوء الأخضر أو الأحمر الذي يصدر من القاهرة هو الذي يدفع العديد من الدول العربية إلى التحرك في اتجاه معين في سياستها الخارجية.

كذلك ترى الولايات المتحدة أن من مصلحتها الحفاظ على الصوت المصري المعتدل في المؤسسات والمجالس الإقليمية العربية، وتبني مصر لنهج الاعتدال في السياسات العربية. وتشمل المصالح الأمريكية أيضا الحفاظ على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية باعتبارها حجر الزاوية في عملية السلام في الشرق الأوسط، والحفاظ على التعاون الثنائي مع مصر في المجالات المختلفة وخاصة المجال العسكري لمواجهة التهديدات وردع العدوان عن الدول الصديقة بالمنطقة.

والواقع أن وجود هذه المصالح الأمريكية تجاه مصر لا يعني بالضرورة أن مصر تتفق مع كل هذه المصالح، أو أن مصر تسعى لتنفيذ الأجندة الأمريكية في المنطقة، فمصر يجب أن يكون لديها مجموعة من المصالح الواضحة التي تسعى لتحقيقها في علاقاتها مع الولايات المتحدة. ومن ثم فهناك حاجة لحوار وطني تشارك فيه كافة القوى السياسية وصناع القرار حول مصالحنا الوطنية تجاه الولايات المتحدة، وما الذي نسعى إلى تحقيقه من هذه العلاقة في ضوء المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية المعاصرة.

ويمكن في هذا الصدد طرح عدد من المحاور يمكن أن تمثل أساسا للتفكير بشأن علاقتنا مع الولايات المتحدة انطلاقا من مفهوم المصلحة الوطنية المصرية:

من نافلة القول إن مصر لها مصلحة استراتيجية في استمرار علاقة طيبة مع الولايات المتحدة بحكم وضعية الولايات المتحدة المتميزة في النظام الدولي، فليس من الحكمة لأي دولة من دول العالم الدخول في علاقات صدامية مع هذه الدولة. كما أن تدهور العلاقة مع الولايات المتحدة يعقد العلاقة بالعديد من الدول الأخرى الحليفة للولايات المتحدة، ومنها دول الاتحاد الأوروبي واليابان وغيرها. كما يؤثر على موقف المنظمات الدولية المختلفة، والتي تتمتع فيها الولايات المتحدة بنفوذ كبير.

من المفيد أيضا تطوير العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة٬ والتي لديها أكبر سوق في العالم، وبالتالي فهى أحد الأسواق الواعدة للصادرات المصرية. والاستمرار في الجهود الرامية إلى توقيع اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة. من مصلحة مصر أيضًا استخدام الدوائر الدبلوماسية مع الولايات المتحدة لتعزيز الموقف العربي بشأن القضايا الإقليمية وعلى رأسها الشرق الأوسط وسوريا العراق وغيرها.

خلاصة القول إن العلاقات المصرية الأمريكية تدخل مرحلة جديدة، وتتعرض لعملية مراجعة في البلدين. وما أحوجنا في هذه الأجواء إلى إعلاء مفهوم المصلحة الوطنية ونحن نفكر في إطار لعلاقتنا مع الولايات المتحدة.

ومن الواضح من طرح مصالح البلدين أن هناك مساحة للاتفاق بينهما ولكن هناك أيضًا مساحة للتباين والاختلاف. وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية، فرؤية الولايات المتحدة للأمور كقوى عظمى لها مصالح كونية تختلف عن رؤية مصر كدولة تدخل في عداد القوى المتوسطة ذات المصالح المرتبطة بإقليم معين. والعلاقات الدولية ليست بالضرورة مباراة صفرية.