أستكمل اليوم رابع المقالات التي تتناول محطات حياة "سيد قطب" وغرائبها، من خلال ما كتبه د. رفعت السعيد في كتابه الجامع "تاريخ جماعة الإخوان - المسيرة والمصير" - ولعل أبرز هذه الغرائب هي وضعه خلال فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر.

في 26 أكتوبر 1954 جرت محاولة اغتيال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية، ومعها بدأت مطاردة الإخوان والقبض عليم باعتبارهم المتهم الرئيسي في القضية، وصدر قرار بإنشاء محكمة الشعب برئاسة "جمال سالم" التي حققت مع "يوسف طلعت" رئيس الجهاز السري للإخوان حينها، والذي اعترف في حينها بأن "قطب" كان يكتب النشرة السرية المسماة "الإخوان في المعركة" بعد غلق صحيفة "الإخوان المسلمون"، وهي نفس إجابة الشيخ محمد فرغلي أمام ذات المحكمة، والتي تدين سيد قطب.. والشيخ "فرغلى" أحد أشهر قادة جماعة الإخوان المسلمين في حرب فلسطين، والذي اشتهر بدعوته لضباط الجيش المصري بفلسطين: بأن يحاربوا في صفوف مستوية كالبنيان المرصوص، كما فهم من الآية الكريمة!

تم القبض على "قطب" بعد فترة هروب قصيرة في بني سويف، ونال حكما بالسجن خمسة عشر عاما، تم إيداعه السجن الحربي ومنه لليمان طرة، ثم انتقل لمستشفى الليمان بعد إصابته بنزيف في الرئة.

خلال فترة وجوده بالمستشفى، تمت معاملة "قطب" بشكل استثنائي، لم يكن متاحا إلا له، فسُمح له بالاطلاع على الكتب والمراجع، وحيازة الأوراق والأقلام، وظل ينقِّح موسوعته "في ظلال القرآن"- ثلاثة عشر جزءً - وأضاف لها ما يعزز التطرف بسطورها.. وسُمح له بإخراج عمله من السجن وطباعته وتوزيعه، تحت سمع وبصر أجهزة الدولة.. وكتب داخل السجن خمسة كتب أخرى، أشهرها "معالم في الطريق".

ومع هذه الخصوصية في التعامل مع "قطب" يذكر "شريف يونس" في كتابه "سيد قطب والأصولية الإسلامية": أن قطب لجأ إلى سلاح القلم، ونجح في تهريب قصيدتين - على الأقل - من السجن، دعا فيهما إلى استمرار الكفاح بالدماء، اتهم فيهما النظام بالخيانة والعمالة للولايات المتحدة، نشرت إحداهما على الأقل "قصيدة أخي"ً في مجلة "الكفاح الإسلامي" بالأردن في 26 يوليو 1957..
ويقول "يونس": أن قطب قد نقح الأجزاء 11، 12، 13 من "الظلال" ونقح معها كتابيه "العدالة" و"السلام العالمي والإسلام" وأصدر وهو سجين كتب "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته ج1" و"الإسلام ومشكلات الحضارة" و"هذا الدين" و"المستقبل لهذا الدين"..

وبعد خروجه من السجن بعفو صحي في 26 مايو 1964، وبوساطة الرئيس العراقي "عبد السلام عارف" نشر قطب كتابه "معالم في الطريق"، ويذكر "قطب" في اعترافاته: أن الرئيس عبد السلام عارف قد أعجب كثيرا بكتابه "في ظلال القرآن"، ويذكر "عمر التلمساني" في مذكراته: أن السفير العراقي عرض على قطب العمل كخبير تعليمي بالعراق، لكن "قطب" رفض.

وينقل "رفعت السعيد" عن "قطب" في إقراره المعنون بـ "لماذا أعدموني": أن الإذاعة السعودية كانت تذيع أحاديث مقتبسة من كتابه "الظلال" وأنه فوجئ بعد خروجه من السجن بشهرين بتحويل مبلغ 143 جنيها على بنك بورسعيد، قيمة الأحاديث التي أذيعت، فأرسل إلى وزير الإعلام السعودي مطالبا بحقه كمؤلف عن الإذاعة المستمرة منذ أعوام!

ويستمر "قطب" في سرد اعترافاته: أنه أثناء فترة السجن والعلاج، عمل على تجنيد خلايا سميت بالأُسر، ونجح في ضم أعضاء جدد لمنهجه، ووصلت نشراته إلى السجون الأخرى، وللإخوان بالخارج.. وقد أدى ذلك لحدوث انقسامات وصراعات فكرية بين أفرد الجماعة، وكان "شكري مصطفى" واحدا ممن التفوا حوله بالسجن، ليصبح فيما بعد مؤسسا لواحد من أكبر وأشهر التنظيمات التكفيرية "التكفير والهجرة".. إن الإفراج عن قطب، مع علم الأجهزة الأمنية بنشاط قطب المكثف داخل السجن، يثير أسئلة وتعجبات لا تتوقف!

وفي اعترافات "زينب الغزالي" في تحقيقات قضية 1965 ذكرت: أنها قابلت "سعيد رمضان" في موسم الحج من سنة 1959، وطلب منها الاتصال بقطب عن طريق شقيقته "حميدة قطب" وأن تبلغه بعرض "رمضان": أن يكتب لديه في مجلة "المسلمون" التي يصدرها في بيروت، إلا أن قطب رفض العرض بدعوى التفرغ لمشروعه الفكري، كما أن السلطات قد وافقت له على طبع كتبه بمصر!!

في هذا التوقيت كان "سعيد رمضان" - زوج شقيقة حسن البنا، ووالد "طارق رمضان" الذي يظهر بالأوساط الأكاديمية الأوروبية حاليا باعتباره مفكرا ممثلا للإسلام العصري - يلعب دورا هاما متنقلا بين الحجاز وسويسرا وألمانيا وبلاد الشرق، ويرتبط دوره بوكالة الاستخبارات الأمريكية، ودورها البارز في أعقاب الحرب العالمية الثانية- وسط تكتلات المسلمين المجتمعين في ألمانيا بدعاوى مختلفة. وهؤلاء المسلمون هم الذين جرى تنظيمهم بخطط أمنية ومخابراتية مع انتهاء الحرب، وبدء الحرب الباردة، وكان جزء مؤثر من هذه الحرب يدور على أراضي ألمانيا، التي وصفت بكونها "بوابة لا يملك زمامها أحد، لعدم وجود حارس عليها، فكل يفد إليها ويفعل ما يحلو له".

وذلك كما أورد "إين جونسون" في كتابه المثير "مسجد في ميونخ"، والذي يشرح انتشار تيارالإخوان المسلمين، واندماجهم وسط المسلمين التركستان في ألمانيا منذ منتصف القرن العشرين وحتى الآن، ويفسر جزئيا موقف ألمانيا المنحاز للتيارات الإسلامية في بلادنا..

تم إلقاء القبض على "قطب" مرة أخرى في أغسطس 1965، حيث سقط تنظيمه بسهولة بعد عدة اجتماعات لم تنل الحذر اللازم، وبعد رصد حركة غير عادية لتهريب وتخزين الأسلحة بالقاهرة وبعض القرى، والغريب أن أكثر هذه الأماكن التي كانت مقرا للإخوان وأسلحتهم، ونالت هجوما عنيفا من الشرطة العسكرية هي "كرداسة"!!

وكان التنظيم يعد لمجموعة من الاغتيالات لعبد الناصر وعبد الحكيم عامر وعلى صبري وزكريا محيي الدين، وكذا التخطيط لتفجير القناطر الخيرية ومحطات الكهرباء بالقاهرة والإسكندرية والمنصورة، وضرب مطار القاهرة وعدد من الكباري والسنترالات، لخلق حالة من الفوضى قد تساعدهم هم أو غيرهم في القفز على السلطة.

وهنا يمكن للقارئ رصد حالة من التباين بين موقف "رفعت السعيد" لتحليل تنظيم 65 وبين رؤية "شريف يونس" المتربصة ضد السلطة القائمة حال سقوط التنظيم، مبديا بعض التوازن بين روايتها ورواية تنظيم قطب، وذلك بأُثر تباين الموقف السياسي لكليهما.

يتم تقديم "قطب" للمحاكمة العسكرية في 12 أبريل 1966 برئاسة الفريق الدجوي، وصدر الحكم بإعدامه في 21 أغسطس من العام نفسه، ويتم تنفيذ الحكم بعد ثمانية أيام 29 أغسطس 1966. ولكن هناك إشارة بأن سماح السلطة الناصرية بخروج كتاب "معالم في الطريق" للنور، كان بمثابة منح "قطب" حبل المشنقة لإحكامه حول رقبته، لكن هذه الإشارة لا تكفي لتفسير باقي ألغاز وضع قطب المميز والاستثنائي بالسجن.

يفرض الفشل التنظيمي نفسه على "قطب"، ولم تواز قدرة "قطب" على التنظيم والقيادة، تطلعاته ورؤيته التفخيمية لذاته، تلك التي وصفها في خطاب أرسله للمباحث قبيل القبض عليه فى 65، احتجاجا على تفتيش شقته برأس البر، قائلا: إن برتراند راسل لم يقدم لأمته ولا للإنسانية بعض ما قدمْت".

تتبقى إشارة صغيرة، بأن أحد أبرز من ينتمون لمدرسة "قطب" ويرى الإسلام جليا في كتابات "قطب"، هو الرئيس الأسبق محمد مرسي، كما ذكر بنفسه هنا:


ومن قطب إلى مرسي، تضيع أعمارنا ومقدراتنا في السعي لترميم ما يفسده المختلون..