"الإنسان يُولد بمفرده، ويموت بمفرده، ومع ذلك لا يطيب له العيش إلا مع الآخرين".

فـ نحن لا نشعر بذواتنا وأجسادنا إلا بعدما يطالنا الضرر ونتألم، والإنسان حين يتألم سُرعان ما ينطوي على نفسه ويضع كفه على مصدر الوجع ويتجه بكيانه كله نحو النيران التي تشعل تحت أصابعه.. وقت الألم يتكشّف للإنسان كم هو وحيد، فيختار بين أن يهرب من وحدته، أو يواجهها! والهروب هُنا يكون هروب الجُبناء بالانطواءِ والعُزلة أو الهروب مؤقتًا سعيًا وراء الخلاص بالبحث عن دواء، أو بالأحرى البحث عن من يُقدم لنا الدواء.

والخلاص يكون أولًا من الوحدة وبعدها يجييء التفكير فيما كان سببًا وراء الألم الأصلي، وكأننا حين نشعر بالوحدة يتعاظم الشعور بالألم فوق ما عداه ليكون هو الأقوى على الإطلاق والأشق على النفس من احتماله فنهرع سعيًا وراء السبيل لهزيمة هذا الشيطان العصيّ!

نبدأ بالشكوى.. المادة الخام للـ "الفضفضة"، الحل الأخير حين نعجز عن حل مُشكلاتنا بأنفسنا، رغم اليقينٍ بأن لا أحد يشعُر بألم حذائي غيري؛ كي أصدق أنك تشعر بألمي يجب أن تسير بنفس الحذاء مسافة ميل. فلنُقر بأن الفضفضة هي الخيط الرفيع بين اليأس والرجاء كعُذر كافٍ للدفاع عن الاختيار العشوائي الذي تم الانتهاء إليه باللجوء لمُتخصص.. مُجرب.. خبير.. فهذا الخبيرسيُمسك بيمينه مرآة عاكسة لأخطائك وفي شماله سيكون مصباح يفضح كل شيء،وهذا ما يحدُث في أفضل الحالات أن يكون الخبير مُجرد آلة صوتية تُعيد ما قُمت بسرده من تفاصيل مُنذ بُرهة، وسيكون في التكرار فُرصة لتعقب الأشياء الصغيرة التي رُبما بقليل من التركيز وإعادة تقييم الموقف لكُنت أنت من قدم لنفسك الحل دون داعٍ لرفع الغِطاء عن بعض الضعف فينا. فهل أنت مُستعد للنقد الذي سيتحول لاحقًا إلى هجوم ؟!

هل كُنت تبحث عند الخبير عن النور يسقط فوق ضعفك أم كنت تلتمس الدعم والإشفاق؟!

إن كُنت أنت أول الأمر "الجاهل" وأصبحت الآن بعدما سقط الضوء الباهر فوق ضعفك "العارف" هل أدركت أن الفضفضة ستتحول إلى مُراوغة حذرة بين الأسد والثعلب؟!

فلا تنس أن الأسد إن كان لازال قويًا رغم جُرحه فالثعلب بات يعرف من أين تأتي الصفعة التي تقصم كبرياء الأسد. هل ستُكشر الآن عن أنيابك وتستعد للصراع من أجل البقاء بعد أن جئت الثعلب تسأله النصيحة؟!

من أخبرك أنك لم تمنح الثعلب الفرصة لتعويض نقصه بتحقيقه القوة والامتياز والتفوق عليك حين سألته النصيحة؟!

لا تستغرب.. يحدُث أن تمنح العدو السلاح الفتاك ليقتُلك وأنت من اخترت له الوقت المُناسب.. وقت يحدُث هذا لن تنشغل بمناقشة الحلول للمشكلة التي جئت لأجلها في البداية، فأنت الآن مشغول بالثقوب التي أحدثتها بالزورق. وأنت من كُنت تستعرض مهاراتك في السباحة والمشي وسط الماء حتى يبلُغ الماء كتفيك، الأمر الآن صار أكثر جدية ولم تعد تُلاعب أمواج الشاطئ الواهنة.

أنت الآن مُهدد بالغرق، والغرق في البحر لا يختلف عن الغرق في المُحيط، فلا تنس أن بحار العالم مُتصلة فلا تختبر سلامة الزورق بالمسامير.

نصيحة المُجرب للحياة – الخبير- رُبما تكونه مُبطنة بالعداء فتُشير نحوك من طرف خفيّ بأصابع الاتهام. الجميع يتحولون لأشباه آلهة حين تسألهم النصيحة، وليس من ثمة فروق بينهم. ليس من أدوات موجودة للتفريق بين النصيحة اللاذعة، والتجريح.

نحن لا نُنكر أن الذات الإنسانية ضعيفة، وأن الإنسان حين يشعر بالضعف ويتألم يغيب عنه إدراكه لذاته بالكامل كمن تعرض لنوبات من الغيبوبة ثم عودة إلى الواقع ثم متاهات الغياب مُجددًا. ويصح القول إن الألم خبرة باطنية هيهات للآخرين أن يُشاركونا في معاناتها. الألم يكشف عن قسوة الضعف. الضعف يُولّد الكراهية، والكراهية مُؤلمة، كعالمٍ مقفرٍ يخلو من السحب المُتصدية لشمس لا تعرف الهدأة، وتُشرق ليل نهار، رغم ذلك فإن للكراهية جانبا مُضيئا.. فأنا والعدو نتقاسم عناء البحث عن الأسلحة، أو ليس لكل شيء سلبي إبجابيات، ولكل شيء إيجابي سلبيات!

الفطنة والمهارة تكمن في التوصل إلى الحلول دون كشف الستار عن ضعفنا بالكامل للآخر موهبة فطرية تقصد من ورائها أن تحتفظ بُحريتك فلا تتحول في مرحلة ما من حياتك إلى الصراع من أجل الدفاع عنها. والانتقال من الضعف إلى القُوة يقترن بالتصميم لتستعيد إرادتك المفقودة. لأن الرجل الضعيف هو العاجز عن تشكيل حياته أولا بإعطاء الآخرين هذا الانطباع عنه، فضلا عن أنه عاجز أيضا عن الإشعاع فيما حوله فيصير كُل ما حوله مُعتم. هذا الضعيف لا بُد أن يجد نفسه مُضطرًا إلى مُسايرة الآخرين أو مُحاكاتهم، وربما يتطور الأمر ليتصرف برعونة في مُحاولة واهية لإثبات وجوده عن طريق الادعاء والصياح "ها أنا ذا " دون أن يكون لديه شيء حقيقي ليقوله.

القوة ليست محض ادعاء، بل إن القوة تكمن في تجاوز الضعف. وأنت في وقت الفضفضة مثل المُحارب الأعزل، لا يعلم أين يُخبئ عدوه أسلحته ولا مدى قوتها ولا متى سيبدأ في تصويب أحدها نحوك! هل سيتلذذ المُفضى إليه بتعذيبك أولا ثم قتلك، أم سيقتُلك مرة واحدة !

الضعف وقت تسأل الآخرين أن يمنحوك القوة ليس ضعفًا بريئًا، بل هو ضعف لا أخلاقي، كالمُستعد للغُواية ،السهل الانصياع، الراغب في الاستسلام. فطالما لا تعُوزك لاستعدادات الفطرية لتجاوز الأزمة، فأنت من أردت لنفسك الفشل، والدليل أنك تبحث عن معاذير وتلوم الظروف وطائفة الأشرار المُحيطة بك، وكأنما الفشل مكتوب على جبينك منذ البداية.

الفشل الواحد لا يعني الهزيمة والضعف العارض لا يعني العجز .

من أين يأتي الفشل ؟!

يأتي الفشل حين ترفض إعادة تقييم الموقف أو حين تأخذ على عاتقك الاستسلام للهزيمة، وهذا يعني أن الضعف لا يأتيك من الخارج بل هو ضعف ناتج من وحي روحك واختيارك.

لكن هُناك بعض الإشارات الإيجابية التي يُمكن أن تتنبّه لها لتعرف وحدك إن كُنت نجحت في اختيار من تبوح إليه وتُفصح أمامه عن ضعفك:

سيُقاطعك وأنت في منتصف الحكاية من أجل تقديم تجربته الشخصية والحديث عن مُعاناته لمُدة لا تقل عن نصف ساعة من الكلام بلا انقطاع.

سيُبرهن لك أن الحل الذي توصل إليه بعدما فات الأوان هو الحل المثالي للأزمة التي تمُر بها حاليًا.
سيمنعك أن تُكرر الخطأ نفسه وسيُغرقك بسيلٍ من الأسئلة تحمل دلالات التشكك وأمارات الخوف عليك ليرى إلى أي مدى نجح في إقناعك والتأثير عليك لتتبع نصائحه.

بعد كل هذا أنت من استحضرت روح "الإنسان الأعلى" وأنت وحدك المسؤول عن انصرافها.

ورُبما.. رُبما كانت نوايا الناصح حسنة.