مقدمة:
منذ شروعي في كتابة تلك السلسلة وأنا أترقب لحظة الوصول لسورة التوبة! لما لا؟ وفيها آيات السيف التي يدعي المدعون أنها قد "نسخت" آيات الرحمة والعفو والصفح، ويستدلون بها على ما أسموه "جهاد الطلب" ومحاربة الكفار الأقرب فالأبعد تمامًا كما يفعل الدواعش الآن في سوريا والعراق. سورة اعتمد عليها المفسرون والقادة والمقاتلون المسلمون في حروبهم و"فتح" أراضي الكافرين، وفرض الجزية على أهل تلك الأراضي المفتوحة إن جاز لنا أن نسميها كذلك. "قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)".

أمر صريح يأمر به القرآن المؤمنين به لقتال الذين لا يؤمنون بالله من الذين أوتوا الكتاب! ولا يؤمنون باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله! وهل هناك من الذين أوتوا الكتاب من يؤمن بكل ذلك حسب الشكل الإسلامي؟ قطعًا هناك من هم كذلك، لكنّهم وعلى التصور القرآني فلابد لهم أن يكونوا قد أسلموا إذن عندما دعوا لذلك، وإلا لانتفت عنهم بعض من الصفات الإيمانية هذه. إذًا فنحن أمام آية تتحدث عن قتال كل من ظل يهوديًا أو نصرانيًا.

ولكن، هل الأمر كذلك على إطلاقه؟ هل هناك شروط مذكورة فى النص القرآني لهذا القتال؟ أم أننا سنضطر اللجوء مرةً أخرى لما هو خارج النص لنتبين؟

مقدمة أخرى:
حقيقةً أنا لا أستطيع أن آخذ من سورة التوبة ما يخص اليهود فقط، فهي كلها مزاج واحد يختلط مكوناته، هي سورة غاضبة، بها غضب على المشركين، والكفار، وأهل الكتاب، والمنافقين، ومن تخلف من المؤمنين. وبها أيضًا حرص على تسمية الاستثناءات وبعض الشروط والتوبة على من يستحق، من وجهة نظر النص القرآنى.

وقبل أن أبدأ أحب أن أنوِّه لنقطتين:

ما العلاقة بين اليهود موضع البحث وبين المشركين والكفار فى سورة التوبة: وهنا أقول إن القرآن تحدث عن اليهود في سورة التوبة مرة بشكل مباشر كجزء من أهل الكتاب في الآية 29 وأكثر من مرة بشكل غير مباشر كجزء من المشركين والكفار الذين قد صهرهم القرآن في نفس البوتقة خصوصًا في سورة التوبة.

والذي جعلني أستدل إلى هذا هو:

قول القرآن في سورة النساء: "إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (151)".. قول القرآن في سورة التوبة محل البحث هنا: " يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)" وقوله فى نفس السورة: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ(33)" والكلام فى الآيتين عن أهل الكتاب.

لمحة عن الظروف والأحداث التاريخية وقتها كما تبينها لنا كتب السيرة (نضطر لها لغاية نبينها لاحقًا):

صلح الحديبية: شهر ذو القعدة من العام السادس من الهجرة، وهو الصلح الذي أُبرم بين المسلمين ومشركي قريش على أن يتم وضع الحرب عن الناس مدة عشر سنين وذلك طبقا لشروط معينة يعلمها أغلبنا.

غزوة خيبر: شهر محرم من العام السابع من الهجرة، وهي الغزوة التي تم بها القضاء على أكبر معاقل اليهود المحصنة، حيث تم فيها اقتحام أغلب الحصون عنوة وحصار آخر حصنين إلى أن استسلم اليهود على شرط ترك كل شيء من أموالهم وأراضيهم. وفيها تزوج الرسول من صفية بنت حيي بعد أن كانت من السبي من نصيب أحد الصحابة كما في القصة المشهورة.

غزوة مؤتة: شهر جمادي الأولى من العام الثامن من الهجرة، وهي الغزوة التي خرج فيها المسلمون لتأديب عرب الشام لقتلهم الحارث بن عمير رسول رسول الإسلام إلى أمير بصرى، وفيها استعان عرب الشام بجنود الروم فانهزم جيش المسلمين إلى أن استلم الراية خالد بن الوليد واستطاع أن ينسحب من المعركة بدون خسائر جسيمة.

فتح مكة: شهر رمضان من العام الثامن من الهجرة، وهو ما تم بسبب نقض صلح الحديبية ونعلم جميعًا كيف تم فتح مكة وما كان له من أثر في نشوء الدولة الإسلامية.

غزوة حنين: شهر شوال من العام الثامن من الهجرة، وهي بسبب استباق هوازن وثقيف لقتال المسلمين خوفًا من ذهاب المسلمين إليهم. وفيها هُزم المسلمون أولاً ثم استعادوا زمام المعركة وانتصروا.

غزوة الطائف: شهر شوال من العام الثامن من الهجرة، وفيها حاصر المسلمون الطائف للتخلص من باقي ثقيف وهوازن بعد حنين، وتم حصار الطائف ونصب المنجنيق ولكن فشل الحصار ورجع المسلمون إلى المدينة.

غزوة تبوك: شهر رجب من العام التاسع من الهجرة، وكانت بسبب علم المسلمين بحشد الروم للجيوش للهجوم عليهم، فتم تجهيز جيش العُسرة بأموال صدقات المسلمين، وكانت الغزوة في طقس شديد الحر فتخلف من المسلمين من تخلف، ووصل الرسول ومن معه إلى تبوك ولبث فيها أيامًا ثم عاد دون قتال، إلا قتال سرية خالد بن الوليد في دومة الجندل، ونزل في هذه الغزوة أكثر آيات سورة التوبة.

حجة أبى بكر الصديق: شهر ذو الحجة من العام التاسع من الهجرة، وفيها أُرسل أبو بكر الصديق على رأس الحج ثم تبعه علي بن أبي طالب بإذن من الرسول لقراءة سورة براءة (التوبة) على الناس ليكون بمثابة إعلان عام للجميع.

القضية والطرح:
تبدأ سورة التوبة: "بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ(2)"، فتدرك على الفور أنك أمام آيات تتحدث عن واقعة تاريخية بعينها، حيث تبدأ السورة بفسخ العهد مع المشركين وإعطائهم مهلة أربعة أشهر لترتيب أوضاعهم قبل إعلان الحرب (أخلاقيات فسخ العهود كما اعتادها العرب قبل الإسلام).

ثم ما يلبث النص أن يوضح استثناءً من فسخ العهود "إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" (التوبة، 4) وبهذا الاستثناء يظهر جليًا أن من كان مقصودًا من المعاهَدين هم من أضمروا شرًا للمسلمين وظاهروا عليهم أعداءهم. ثم توعد بعد انقضاء مدة السماح (الأربعة أشهر) بالقتل أينما وجدوا، ثم في نفس اللحظة يأمر بإجارة من يطلب من المشركين حتى يستمع إلى الرسالة وأحكامها.

ثم يعاود التأكيد على أن المقصود من خانوا العهد وليس المستقيمين " فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" (التوبة، 7) ويبين صفات المشركين محل الكلام فهم الذين لا يرقبون في المؤمنين قرابة أو عهدًا، "كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً" (التوبة، 8)، ويؤكد أن هؤلاء ليس لهم إلا القتال أو الدخول في الدين تحت أيدي المسلمين فقد تمت تجربتهم قبل ذلك كمعاهدين على إشراكهم وخانوا العهد "أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ" (التوبة، 13).

وبالرغم من أن هذه الآيات هي أكثر ما يعتمد عليه الجهاديون في جهاد الطلب وإرهابهم المسالمين، إلا أنني أجدها من أكثر الآيات (إلى هذه المرحلة) إحكاماً وتبيانًا لأشراط القتال وبيان أسبابه، فما أكثر الاستثناءات من آيات القتال لتبين أن سبب اندلاعه في البداية نتيجة بدء الطرف الآخر بالأذى والقتال.

نأتي إلى سؤال مهم للربط بين المقدمة التاريخية في أول المقال وصدر سورة التوبة: هل سورة التوبة والأمر بالقتال له الطابع القتالي العقدي أم السياسي؟ هل تحول التهديد إلى تطبيق عملي على أرض الواقع أم أنه كان خطابًا إعلاميًا سياسيًا من الدرجة الأولى؟

الواقع أننا لو نظرنا مرة أخرى للأحداث الكبرى أعلاه، لوجدنا أنه لم يكن يمر عام واحد إلا ومعركة دائرة، بل أكثر من واحدة في العام، إلا أنه ومنذ غزوة تبوك وبالرغم من كل التهديد في سورة التوبة إلا أنه لم يتم تطبيقها على أرض الواقع ما تبقى من حياة الرسول. فسورة التوبة المُنزّلة فى العام التاسع من الهجرة لم تستخدم آيات القتال فيها إلى وفاة الرسول فى العام الحادى عشر من الهجرة.

نعود للنص القرآنى وآية الجزية الشهيرة، هل رافقها من أسباب وشروط لتخصيصها ما رافق أول الآيات من تخصيص؟

نجد أن آية الجزية نفسها أطلقت أمر القتال على كل من ظل على دينه من أهل الكتاب كما بينّا في أول المقال إلّا من آمن منهم. ثم نجد الآية التالية تتحدث عن عدم توحيد أهل الكتاب لله! "وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ".. فهل يكون سبب القتال هو عدم توحيدهم كما بقول الجهاديون؟ هل كان الأمر هو مجرد تدرج في أوامر المعاملة بدءًا من العفو والصفح وقت الضعف إلى قتلهم حيث وجدوا بعد أن تمكن المسلمون في الأرض؟ أم أن هذه الآية هي مجرد حض للمسلمين على القتال وتبيان ما الطرف الآخر على ضلال فيه لإغارة المسلمين على دينهم إنما ليس هو السبب الأول لقتالهم؟

ثم تأتي الآية التالية تتكلم عن اتخاذ اليهود والنصارى الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، وهو ما يوافق الآية السابقة ويزيد حيرتنا عن سبب القتال. ثم تأتي الآية الثالثة فالرابعة والخامسة والسادسة كلها لا تذكر سببًا مناسبًا لقتال أهل الكتاب بخلاف ما يذكره الجهاديون، ثم الآية السابعة بعد آية الجزية فيأتي أخيرًا فيها: "وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)"، فتذكر السبب متأخرةً كثيرًا وهو أنه قتال لقتال، قاتلوهم كما يقاتلونكم.

ذكر السبب بهذا التأخر وهذه الصيغة القابلة للتجاهل هو في نظري محل سؤال وشك. جزء من آية يبين أن سبب الأمر بالقتال هو قتال الطرف الآخر، وإسهاب وتفصيل في آيات الحض على القتال يجعلنى أتساءل مكررًا: ألم يكن هناك فرصة للتوضيح أكثر؟ أصعب التبيان إلى هذا الحد؟

ثم أرجع ثانيةً نزولاً على المنهج الذى ارتأيناه، أنا ومن لهم كل الشكر في دعمي في عصفي الذهني، وهو أن ننتظر إلى النهاية فنرى الحلقة دائرية الشكل فيتبين التضاد من التكامل.

وللحديث بقية.

للتواصل مع الكاتب