لا توجد دولة في الدنيا أصدرت دساتير مثل مصر.. الأهواء تتحكم فينا منذ قيام ثورة يوليو 1952.. أسهل شىء تعديل دستور وطرحه للاستفتاء والموافقة بـ 99 %.. فعلناها مع دستور 1954 وزدنا بأن ضرب بعض المتظاهرين المدفوعين من الضباط الأحرار السنهوري باشا في مكتبه بمجلس الدولة إلى أن سالت دماء الرجل.

العجيب أن مظاهرات 1954 كان يقودها عامل اسمه صاوي أحمد صاوي استأجره رفقاء عبد الناصر بـ 3 آلاف جنيه ليقود مظاهرة من 1500 عامل يهتفون بسقوط الأحزاب والنقابات والدستور وإلغاء الحرية والديموقراطية في أعجب مظاهرات في التاريخ تطالب بالديكتاتورية.

ما حدث قبل 61 عاما يتكرر اليوم .. الجهلاء الذين نادوا بإسقاط الدستور ووأد الحريات لا يختلفون كثيرا عما يردده بعض الإعلاميين والصحفيين اليوم مطالبين بتعديل الدستور لأنه يحد من سلطات الرئيس ! ألم يكن هذا الدستور هو الذي رقصنا أمام اللجان فرحا به ؟ ألم تضرب أغنية حسين الجسمي كل الأرقام القياسية في العالم في عدد مرات إذاعتها فرحا بالدستور الذي صاغته لجنه الخمسين .. وتحدث النشطاء والسياسيون مرحبين به مؤكدين أنه نهاية لعصر ديكتاتورية الحكام ويخلصنا من أشباه مبارك ومرسي أو الفاشية العسكرية والدينية !. قصائد الغزل التي قيلت في هذا الدستور ملأت الشاشات الفضية والصحف والمواقع الإلكترونية .. ثم إذا بالجميع يرتدون عن قناعاتهم كما فعلوا من قبل.

المصريون متخصصون فى إصدار دساتير تليق بالحاكم أو بالفرعون أيا ما كان .. ملكا أو سلطانا أو رئيسا أو مشيرا أو مرشدا دينيا أو رئيسا منتخبا.. أسقطنا دستور 1923 لأنه ملكي ودستور 1954 لأن من وقعه الرئيس نجيب الذي أعفاه عبد الناصر ثم صدر دستور 1956 .. ثم دستور 1958 بعد الوحده مع سوريا.. وعدنا إلى 1956 عام 1962 وأصدرنا بيان 30 مارس 1968 بعد الهزيمة.. ثم جاء السادات وأصدر دستور 1971 الذى مازال – فى رأيى – أفضل ما صيغ حتى الآن .

ثم ادخل مبارك عده تعديلات دستورية أشهرها المواد 76، 77 ، 178 في الدستور الملغي الذي كان يمهد ليحكم جمال مبارك.. وبعد 25 يناير تم الإعلان الدستوري لعام 2011 الذي صاغه اللواء ممدوح شاهين وآخرون وحشد له الإخوان فيما أسموه غزوة الصناديق ليوافق الشعب عليه بنسبه 70 % فى عام 2012 .. ثم أدخل الرئيس المعزول مرسي تعديلات عليه رفضها الشعب كما رفض الإخوان.

واخيرا وافقنا على آخر العنقود " دستور 2014 " الذى يبدو أننا سنغيره قريبا بعد أن فهم الناس من كلمات الرئيس السيسى "الدستور وضع بنوايا طيبة.. لكن الدول لا تبنى بنوايا طيبة".. أنه غير راض عنه.. وليست هذه هي المرة الأولى التى يمتعض فيها الرئيس السيسي من الدستور فقد أعلن في 14 يوليو الماضي "أن له موقفا من الدستور" الطموح "الذى يحتاج فترة لتطبيقه".. إذن الرئيس انتوى تغيير الدستور.. وسنوافق عليه وسنرقص على أغنية جديدة أو على بشرة خير أمام اللجان مرة أخرى.

لكن لماذا نُغير دساتيرنا بهذه السرعة؟!

الدساتير مُقدسة فى العالم كله .. لكننا أعجب خلق الله.. تناقضنا مع أنفسنا غير مسبوق.. نكاد نحتل المركز الأول عالميا في الموافقة على شىء ثم رفضه.. أصابتنا شيزوفرينيا غريبة.. فنحن نزعم أننا نعلم رغم جهلنا.. وأننا خبراء دون أن ندرس أو نقرأ.. العجلة شعارنا.. نحن نعطي للحاكم ما يريد ثم ننقلب عليه.. كيف نرى الشىء طيبا ثم نلفظه قبيحا بعد فترة! مراهقتنا السياسية لا تنتهي!

الغريب أننا دائما نخوض حروبا وهمية لا علاقة لها بجوهر مشاكلنا.. وبدلا من أن نتحدث عن مشاكل الفقر والأمية وغياب العدالة ومحاربة الفساد والإرهاب نتحدث عن صلاحيات الرئيس في مواجهة برلمان لم يُنتخب أصلا .. مثلا الذين يتحدثون عن المادة التي تتيح للبرلمان رفض الحكومة التي يختارها الرئيس ويراها تحديا للرئيس.. حسنا أين كنتم عندما طرحت.. ومع ذلك فإن من حق الرئيس حل البرلمان إذا فشل في اختيار حكومة من حزب الأغلبية.. هذا إذا كانت الانتخابات ستفرز جبهة أو ائتلافا له الأغلبية.

(الفصل بين السلطات أو التناطح)

إن الذين صاغوا الدستور كانوا يريدون الهرب من نموذج مبارك و" ماريونيت " مرسى , وقفزوا بذلك على كل الدساتير التى طرحت على الشعب منذ 1952 والتي استندت على مبدأ "الفصل" بين السلطات.. وليس "تناطح" السلطات.. كان المقصود طوال سنوات الحكم الديكتاتوري (60 عاما) كما يطلق عليه الثوار والنشطاء، أن يكون هناك رئيس وزراء مدني يتم التضحية به في الأزمات.. بالإضافة لحزب الأغلبية الذي كان يرأسه رئيس الجمهورية (ناصر والسادات ومبارك) أصحاب الخلفية العسكرية، وبالتالي لم يكن هناك افتراض أن يجىء رئيس وزراء من حزب آخر.. المشكلة الحالية أننا وضعنا دستورا دون أن نضمن وجود أغلبية أو حتى ائتلافات قوية.. أصبحنا مثل الذي وجد "زرارا" وشرع في تفصيل البدلة.

أيضا "الباشوات" أعضاء لجنة الخمسين الذي تمخضوا عن الدستور "المعجزة"، وقالوا إنه مستوحى من الدستور الفرنسى.. نسوا أن فرنسا عدّلت دستورها عام 2000 عندما وجدت أن نظامها يؤدي للتصارع بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء إذا كانا ينتميان لحزبين مختلفين، فتبنت تعديلا دستوريا أدى لتوحيد فترتي الرئاسة والبرلمان ( 5 أعوام وكانت7 أعوام)، واقترب التعديل بموعد الانتخابات البرلمانية من الرئاسية بحيث إذا فاز رئيس الجمهورية من حزب بعينه يمكن أن تمتد موجة التأييد له لانتخابات البرلمان فيفوز حزبه بالأغلبية البرلمانية ويختار رئيس وزراء من نفس حزبه.

لقد بدأنا الدستور بدون أحزاب وفي غياب البرلمان والرئيس وبالتالي توصلنا لنتيجة المعادلة السياسية، دون أن تتفاعل عناصرها.. وعدنا للتهليل وضرورة التعديل واحترام مقام الرئاسة.. يا جماعة ما كان من الأول.. وعندما عارضناه – الراحل عبد الله كمال وأنا على وجه التحديد – قالوا إننا "فلول".. الآن عندما تعدلوه ماذا ستكونون "أم سحلول"!!