لم تمضِ سوى دقائقٍ على حادثة التدافع بالمشاعر المقدسة، والتي ارتفع عدد ضحاياها إلى 769 قتيلا، حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالآراء والتعليقات والتساؤلات.

لقد أنجانا الله في هذه المرة من "شعراء الغفلة"، وتغزلهم بأحذية الحجاج إذ راحوا يدهسون بعضهم بعضا، ولكننا وجدنا أنفسنا أمام مشهدٍ متكررٍ في كل "تايملاين"...ومستفزٍ.

لقد عادت مواقع التواصل الاجتماعي لتصبح ساحةً من العباقرة الذين يعرفون كل شيءٍ حول كل شيءٍ، ويحيطون علما بكل المعارف والعلوم بطريقةٍ تُخجل "انسايكلوبيديا بيرتانيكا" نفسها، ويرفعون حبال المشنقة بالتخصص والخبرة لمحاسبة هذه الجهة أو تلك، ويبرهنون على قدرتهم المتأخرة على تفادي الكارثة، والخروج بنتيجةٍ مختلفةٍ.

بالطبع، هي مجرد رغبةٍ مزعجةٍ من البعض للسفسطة مستغلين جهلنا بهم، وبمدى درايتهم، وبميادين إلمامهم، بل وما أسهل أن يكونوا قد اقتبسوا آرائهم من العقول المجاورة بعد إعادة صياغتها وتحويرها، وذلك بغرض إقناعنا بقدرتهم على "الكشف عن المستخبي" حيثما اختبأ.

ولكني بت أعتقد بأن الغالبية لا تطمح للتفلسف، بل هي تقع في فخٍ مشابهٍ للغاية يغريهم إليه هذا الغموض الذي يكتنف علاقات المُغرّدين و "الفيسبوكيين" ببعضهم بعضا.

بصراحةٍ، لقد ذكرني الوضع في هذه العوالم الافتراضية بطريقةٍ غير مباشرةٍ بمقولةٍ للإمام علي بن أبي طالب قال فيها "المتكبر كالواقف على الجبل؛ يرى الناس صغارا ويرونه صغيرا".

إننا لا نشعر بالكبر الذي وصفه كرم الله وجهه، ولكننا على النقيض تماما نشعر بالضآلة، ونرى الآخرين من حيث نحن على السفح عمالقةً جبّارين يحتلون القمة بكل جدارةٍ واستحقاقٍ، رغم أننا قد نكون متجاورين في الواقع، لا فضل لأحدنا على الآخر.

بسبب طبيعة مواقع التواصل الاجتماعي، سيجد المرء نفسه يطرح اقتراحاته ويستعرض شكوكه ويشارك بتعليقاته حيال مختلف الأمور، وحينها لن نتنبّه إلا فيما ندر إلى مصادره، أو مصداقيته، أو خلفيته الفعلية في الموضوع، والتي قد تكون متواضعةً للغاية باعترافه الشخصي.

ومما يزيد الطين أننا لا نرى تعابير الوجوه، أو نسمع صدى النبرات، ناهيك عن أن يتسنى لنا التنقيب عن سيرة محدثنا، والحصيلة الثقافية والفكرية التي قادت إبهاميه لأن يكتبا ما كتبا.

وهكذا، حتى وإن لم يكن يدّعي العلم في كل المواقف، سنتصوره ينقلب يورجان كلينسمان بعد المباريات، ومناحم بيجين في الحروب، ومحمد عبدالوهاب خلال "آراب آيدول"، وسنستشعر أصبعا وهميا يشير إلى قلة وعينا، وبساطة أجوبتنا، وانعدام قدرتنا على الإدلاء بدلونا بكل ثقةٍ في جميع الحالات، فنتخذ القرار بإطلاق وحشنا المتعطش إلى أن يكون "بتاع كلو".

لن يبدو حينها بأننا نختلف كثيرا عن هؤلاء المتفلسفين المتسفسطين، ولكننا لا نشابههم حقا، ولهذا أعتقد بأنه عوضا عن إفحامنا، وإحراجنا، وتذكيرنا بضرورة الصمت للتستر على خوائنا، يجب أن يتكفل المستشعرون للمسؤولية في مواقع التواصل الاجتماعي بتعرية من صعدوا جبال السراب متعمدين ليقنعونا بضآلتنا.