افتتاحية:
استمر القتل، وظلت الحروب والجريمة قائمة، ولم يكن تطور الإنسان إلا تطورا شكليا ترك فيه العصا والسيف والرمح، واستبدلهم بالبندقية والدبابة والقنبلة النووية.

آلهة اليونان القديمة اجتمعوا في الأول من يناير عام 1964 تحت قيادة كبيرهم "زيوس" لتحديد مصير الإنسان على سطح الكوكب. الغالبية أرادت أن تصب الآلهة جحيمها من صواعق وزلازل وبراكين وفيضانات لتبيد هذا الكائن البائس للأبد. الأقلية رفضت ذلك، بينما وقف آخرون على الحياد مؤقتاً يستمعون للطرفين، حائرون بين الرغبتين.

الفصل الأول:
زيوس يستمع للآلهة الراغبة في إبادة الإنسان، واحداً تلو الآخر، وعلى ملامحه حزن عميق على ما آلت إليه الأمور، بينما يؤكد آريس ابن زيوس وإله الوحشية والدم، أن الكوكب لم ولن يعرف أبداً السلم، مع وجود الإنسان، طالباً من زيوس الضوء الأخضر لإعلان الحرب.

أبولو إله الشمس والموسيقى والرماية والشعر يتساءل، إذا خذلَنا الإنسان، فهل الحل أن نخذله نحن أيضاً؟.. بعض البشر يقتل ويحارب، لكن بعضهم يعزف ويرسم وينشر الجمال، ويريد عالماً أفضل.

أفروديت آلهة الحب والجمال، تستنكر رغبة الإبادة وتتساءل، ما الفرق بيننا وبين الإنسان إذاً، ما دمنا سنلجأ لنفس الحل الدموي؟!.. أليس من الأفضل أن نُكرس قدراتنا كآلهة لنشر الحب والجمال على الأرض أكثر، ليعرف الإنسان قيمتهم؟

الكل ينظر إلى زيوس منتظراً القرار، ليأتي الرد في كلمتين: "الإبادة إذاً".

صيحات الآلهة الراغبة في إبادة الإنسان تتردد في حماس وفرحة، لكن آثينا آلهة الحكمة والقوة والحرب، وابنة زيوس المفضلة، تصرخ قائلة مهلاً مهلاً، وبينما يعترض الآخرون على مقاطعتها ومعارضتها رغبة كبير الآلهة، يفاجئ زيوس الجميع بإشارة غاضبة حاسمة من يده، يطلب فيها الصمت، قبل أن يسأل آثينا في غضب: هل أنساكي حبي لكي كابنة أنني كبير الآلهة؟

آثينا تركع على قدميها خاشعة أمامه، ثم تردف دامعة: بل كان هذا الحب وحده، هو ما يجعلني أتوسل إليك الآن أن تمنحهم فرصة أخرى.

صيحات الاعتراض تتكرر من جديد، لكن التفاتة بسيطة من زيوس كانت كافية لتخرس أصحابها هذه المرة.

زيوس واضعاً يده بحنان على خد آثينا ابنته الباكية: منحتهم آلاف الفرص لآلاف السنين، فلماذا تعتقدين أن النتائج ستتغير مع فرصة جديدة؟

أفروديت آلهة الحب والجمال تركع بجوار آثينا وترد قائلة: ماذا لو كانوا في حاجة إلى رؤية أخرى.. إلى ما لم نعتقد أنهم في حاجة إليه؟

زيوس ينظر مستفهماً، فتزداد شجاعتها وتُكمل قائلة: ماذا لو منحناهم على الأرض آلهة جمال يرونها باستمرار.. آلهة جمال منهم وبينهم، لتذكرهم أنهم يمكن أن يكونوا أجمل فعلاً؟.. آلهة جمال تجعلهم يحبون الحياة.

آريس يرد باستهزاء وسخرية: هل نقتبس الحكمة من النساء الآن؟!

زيوس يصرخ قائلاً: اصمت.
آريس ينحني في رعب معتذراً عن مقاطعته.

أبولو إله الشمس والموسيقى ينظر إلى زيوس مشجعاً: ربما يجب أن نفعل ذلك فعلاً ولو مرة. ماذا لو كانت الآلهة الإناث أكثر قدرة على فهم البشر ودوافعهم؟

زيوس ينظر إليه في غضب ممزوج بالحيرة، فتدرك آثينا بحكمتها أن الفكرة راقت له نسبياً، لكن من الصعب على رب الآلهة التراجع عن قراره، فتضيف بحكمة ودهاء: لا يوجد من يفهم البشر قط أكثر من زيوس العظيم، ولا يوجد من يعرف تأثير الجمال أكثر منه.

أفروديت تلتقط الخيط من آثينا، لتلعب على نفس وتر العظمة لدى زيوس، وتضيف قائلة: لا نطلب العفو النهائي عنهم. فليكن قرارك كما هو، لكن امنحهم فقط مهلة أخرى كفرصة نهائية.

آريس يضيف في استنكار ممزوج بعصبية وغضب وغيظ، حاول إخفاءهم لكن فشل: ولماذا اجتمعنا من الأصل؟!.. كم ألف سنة أخرى من الفشل تحتاجونها إذاً؟!

زيوس يصرخ في الجميع قائلاً: كفى.

أعين الجميع تتعلق به بينما تتصارع عشرات الأفكار داخل رأسه، ويتأمل هو الموجودين حوله، على اختلاف رغباتهم، ويفكر في هذا الكائن البائس التعس على الأرض، فلا يعرف تحديداً هل يكرهه أم يشفق عليه أم يحبه، لكنه يصل إلى حلٍ واحدٍ نهائي يرى فيه العدل: سأمنحهم مهلة أخيرة لمائة عام إذاً فقط.

أفروديت تقاطع قائلة: ولكن مائة عام لن..

يقاطعها زيوس بلهجة هادرة: مائة عام فقط.

ثم أردف بقسوة وحسم: وتحين النهاية إذا ظلوا على نفس الحال.

الفصل الثاني:
بعد أن انصرف مؤيدو الإبادة غاضبين من قرار زيوس، اجتمع أنصار الإنسان لخلق الفرصة الأخيرة.

أفروديت آلهة الجمال أطلقت من يديها هالة زرقاء ناعمة، وأردفت في خشوع: سأضع هنا كل عصارة وأسرار الجمال، لتصبح بذرة أجمل جميلات الكون.

آثينا نفخت سحابة صغيرة رقيقة امتزجت بالهالة الزرقاء، قائلة في أمل: فليكن جمالها مبعث حكمة لكل من يراه مثلما هو مبعث للفتنة.

بوسيدون إله البحر الصامت منذ بدأ الاجتماع وقف متأملاً الهالة، ثم أحاط الهالة بما يشبة أمواج البحر قائلاً: فليكن جمالها متجدد بألف شكل وبألف حال مثل بحر متقلب لا تهدأ أمواجه أبداً.

آرتميس آلهة الصيد والبرية والإنجاب والعذرية والخصوبة، لمست الهالة بأصابعها، ثم أردفت في خبث: فليكن جمالها مزيج بين سحر الأنثى الخبيرة بالجنس، وسحر العذراوات.

أبولو إله الشمس والموسيقى والرماية والشعر والرسم، أطلق أشعته الذهبية على الهالة، ثم أردف في فخر: فليكن جمالها أكثر دفئاً من شعاع شمس في فصل الشتاء، وأكثر تناغما من أي لحن، وأقوى إحكاماً من أكثر الأبيات بلاغة في الشعر، وبألوان زاهية لم ولن يعرفها الإنسان في أي رسم.

سحبت أفروديت بنعومة الهالة بعد كل هذه اللمسات والإضافات، لتسبح في الفضاء وسط قاعة اللقاء، بينما ينظر الكل في رهبة، للهالة التي تساقط منها بضع قطرات بسيطة على أرض القاعة، وهى تدور حول نفسها، قبل أن تنظر إليها أفروديت نظرة أخيرة بشغف، وتهمس قائلة بحنان أم تحتضن طفلتها: كوني من نصيب أكثر زوجين يحبان بعضهما في العالم.

الفصل الثالث:
وفي ليلة الأول من يناير عام 1964 شعرت زوجة إيطالية جميلة أثناء نومها، بعد سهرة رومانسية ناعمة مارست فيها الحب مع زوجها التي تعشقه، بلمسة رقيقة على بطنها لم تعرف لها مثيل. تعجبت من السبب لكنها عشقت الإحساس وظلت تذكره وتتمنى تكراره للأبد.

وبعد 9 أشهر بالتمام والكمال، وفي اليوم الثلاثين من سبتمبر أنجبت هذه الزوجة طفلة حسناء، نعرفها الآن باسم "مونيكا بيلوتشي".

أما القطرات التي تساقطت على قاعة اللقاء، فلا يزال أغلبها يسبح في الفضاء. قليل منها وصل للأرض، ليصبغ الفتنة على أخريات، ويجعل بعضهن على درجة ما عالية من الجمال، تكفل له لقب (وصيفة) إذا تمت مقارنته بنتيجة الهالة الكاملة الأصلية التي صنعتها الآلهة.

هل سيتغير الحال ويقتنص البشر باقي المهلة في الخمسين عاما المتبقية؟.. هل ستنتهي الحروب قبل حلول الأول من يناير عام 2064؟.. هل سينفذ زيوس وعيده بخصوص الجنس البشري إذا لم يحدث ذلك؟.. هل يسعى آريس لتوريط البشر في حروب دموية في بعض المناطق، ليفشل مخطط آثينا وأفروديت؟

لا أحد يعرف باقى الأسطورة، لكن الغالبية تعرف أن نظرة واحدة إلى "مونيكا" ستظل كافية لنحب الحياة على الأرض أياً كانت صعوبتها. الغالبية تعرف أن الـ 30 من سبتمبر، يجب أن يكون عيدا عالميا للجمال والفتنة، يحتفل فيه البشر جميعاً بعيد ميلادها.

أسطورتها أنها مونيكا بيلوتشي.. وأسطورتنا أننا عشنا أسطورتها.

* نُشرت أول مرة 30 سبتمبر 2014

لمتابعة الكاتب على الفيس بوك