(1)
لا يتحدث هذا المقال بأي شكل عن محاولات الاستغلال السياسي للحادث المؤلم جداً الذي وقع للحجيج في منى. والذي بدأته إيران اتساقا مع كل مواقفها المشهرة منذ حكم الملالي ضد كل ما هو عربي. وقد نجحت إيران (الدولة) في أن تكون راعية الشيعة (المذهب) في العالم من خلال التمويل والدعم، فضلاً عن كونها قبلة المزارات الدينية والتاريخية وموطن الحوذة العلمية. مستغلة في هذا خطابًا ملحًا في الوطن العربي جانحًا بالانتماء ليكون دينيًا بديلاً للانتماء الوطني . فبما أن المواطن اللبناني (( مثلاً )) يجد من يجرؤ أن يقول له أنت مسلم سني قبل أن تكون لبنانيًا .. فبطبيعة الحال سيكون هناك مسلم شيعي قبل أن يكون لبنانيًا أيضًا.. أو شيعيًا قبل يمني أو شيعيًا قبل سعودي. ومن هنا صارت إيران بأيدي الجهلاء فينا نافذة كشوكة في جسد بلاد عربية عديدة.

(2)
كما أنني لن أتحدث عن اقتصاديات الحج وهي اختصارًا أن غالبية المسلمين لن يتمكنوا من الحج أبدًا أبدًا.. وهذا قول واحد لا يحتمل نقضًا أو إبرامًا.. ويقوم في الأساس على أن عدد المسلمين في العالم (وهم حالياً بليون و600 مليون تقريبًا)، وبحساب معدل زيادتهم السنوية.. وعليه وبرغم أي توسعات جغرافية للأماكن المخصصة لشعائر الحج ستؤدي خلال المئة عام (خمسون سابقة وخمسون لاحقة ) لأن يكون عدد الحجيج حوالي 250 مليون بحد أقصى تمامًا.

ما سبق يعني أن حوالي 80% من المسلمين لن يحجوا أبدًا مهما فعلت المملكة. واقتصاديًا تصير عندنا سلعة محدودة ومطلوبة من عدد كبير من المستهلكين لابد وأن ترتفع قيمتها (وهو ما كان وسيواصل الارتفاع بلا توقف أبدًا)، ويصير من التبعات كرد فعل إنساني حدوث حالة عزوف جماعي وشعوري كبير لدى هذه المئات من الملايين التي تعرف أنها ستموت دون أن تؤدي ركنًا من أركان الإسلام لأنها لن تستطيع إليه سبيلا.

(3)
بل أتطرق هنا للحظة إنسانية غريبة.. وقتما كان هذا الحاج الذي يرتدي ملابس الإحرام في الخلف يندفع بلا رحمة ضاغطًا على من أمامه مضغوطًا عليه من حجيج آخر خلفه دونما محاولة جماعية للهدوء تمهيدًا للتوقف.. كل هذا لمجرد اللحاق بطقس إجرائي معين.. هؤلاء الذين مروا بلا رحمة بخطواتهم الهادرة اللاواعية فوق زملاء حجهم فقتلوهم وسحقوا ضلوعهم وكسروا جماجمهم حشرًا بين أقدام قاسية ورخام بارد.

تلك اللحظة التي فيها تهشمت أجساد أكثر من 750 حاجًا.. كم صراخًا علا! وكم صوتًا زعق! وكم حنجرة انفجرت تدعو للتوقف عن الاندفاع!!!! حاول أن تتصور عزيزي القارئ اللحظة المريعة وأن ترى هؤلاء (( الحجيج )) القتلة يواصلون اندفاعهم بلا هوادة ولا يأس ولا لحظة هدوء واحدة كان يكفي لها أن تنقذ ربما مئات الأرواح البريئة.

(4)
لا أتصور أن الأمر به مؤامرة أو ترتيب من جهة أو دولة (دون تجاوز للتحقيق الجاري).. بل هو مجرد استمرار للاندفاع اللاواعي مع القطيع في أي اتجاه.. هو استمرار لأداء المناسك كأنما هي تدريبات مقررة من ضابط يهددك بالجزاء وفي يده عصا غليظة.. هو استمرار للظن المقيت بأن الدين إجراءات وليس إيمانًا.. خطوات مكتوبة في كتيب الإرشادات وليس به أن يصير قلبك متعلقا بما هو أسمى وأجل وأعظم من الطقس الإجرائي.

(5)
الله يا سادة هو بالضرورة حكيم وعادل.. لن يعاقبك إن تأخرت على لحظة مقررة سلفًا طالما سعيت لها صادقًا.. وهو بالضرورة أيضًا يعلم ( لأنه عليم) إن كنت صادقًا في سعيك للحاق بها أو أنت تكذب.. وطالما نثق في عدل الله فلنا أن نسأل.. كيف سيكون عقاب هذا الحاج أو ذاك الذي سمع الصراخ ووقع في إدراكه أن هناك من يقعون وفي ذات اللحظة لم يحاول أن يتوقف...؟ يا سادتي بالضرورة هناك حجيج أذنب في تلك المأساة ومضى ثورًا هائجًا ليلحق بما قالوا له إن الله يريده.. محملاً بوعيد لا حصر له إن لم يفعل.

(6)
من زاوية أخرى وجب لفت النظر لما يلي.. الحج مقرر بمكان محدد يمكن للمملكة أن تقوم فيه بتوسعات.. نعم .. لكن الحج محدد أيضًا بلحظات شروق وغروب محددة.. وهذه ليس لها توسعات ممكنة.. فكروا لحظة قبل أن تتزايد الأعداد ومن ثم الضحايا.