"إذا أردت أن تفعل شيئا بطريقة صحيحة، فعليك أن تفعله بنفسك"، هكذا كانت تعتقد "جوزيفين كوكرين"، ولكن عندما كان يحين وقت غسل الصحون، لم تكن تريد أن تفعل ذلك.

البداية

ولدت "جوزيفين" في 8 مارس 1839م، في ولاية أوهايو بالولايات المتحدة الأمريكية، للأب،"جونجاريس" مهندس الميكانيكا، الذي سبق أن اخترع مضخة هيدروليكية لتجفيف الأهوار، والأم "إيرين فيتش"، ربة منزل، وجدها الأكبر "جون فيتش" حصل على براءة اختراع لقارب بخاري، في عام 1791م، فنشأت على حب الآلات الميكانيكية.

التحقت"جوزيفين" بمدرسة ثانوية خاصة، وبعد أن ماتت أمها، أرسلها أبوها إلى "شيلبفيل" بولاية إلينوي، لتعيش مع أختها وتكمل دراستها، وهناك أتمت دراستها الثانوية ولم تلتحق بالجامعة كسائر البنات في ذلك الحين.

سيدة القصر

تزوجت "جوزيفين" في سن 19 سنة من"وليم كوكرين"، الذي كان تاجرا وكاتبا وعضوا في جماعة البنائين الأحرار (الماسونيين)، والذي قضى 4 أعوام في كاليفورنيا ينقب عن الذهب دون جدوى، فعاد إلى شيلبفيل خائب الرجاء، ليتاجر في السلع الجاهزة، وأنجبت منه طفلا وحيدا، ما لبث أن مات بعد عامين.

بعدها انتقلت الأسرة للحياة في قصر جديد، ليبدءا حياة حافلة بالحفلات والولائم، إذ كان وليم عضوا بارزا في الحزب الديموقراطي، وبدت جوزيفين كسيدة مجتمع ذات طبيعة مستقلة وثقة واضحة بالنفس رغم صغر سنها.

كانت حفلات العشاء شبه يومية، وكان لديها أطباقا من الخزف الصيني الفاخرة التي يعود تاريخها إلى عام 1600م، وكانت تعتبرها كنزا ثمينا.

وبينما يقوم الخدم بغسل الصحون بعد إحدى الولائم، انكسر طبق أو أكثر لم تكتشف جوزيفين ذلك إلا في صباح اليوم التالي عندما كانت تضع أطباقها الثمينة في دولابها الخاص، غضبت غضبا شديدا وقررت ألا تسمح للخدم بغسل الصحون بعدها، وبدأت -على مضض- تقوم هي بتلك المهمة التي كانت تعتبرها سخيفة.

الفكرة

في آخر القرن التاسع عشر، كانت آلات كثيرة قد تم اختراعها، فلماذا لم يخترع شخصا ما آلة لتنظيف الأطباق؟ هكذا سألت جوزيفين نفسها ورغوة الصابون تصل إلى مرفقيها، ولمعت الفكرة في رأسها: لماذا لا أخترع أنا آلة لغسل الصحون؟

استغرقتها الفكرة، فذهبت إلى المكتبة، وفي غضون ساعة كان المفهوم الأساسي لتصميم أول غسالة ميكانيكية للصحون قد اتضح في رأسها: سوف تضع الأطباق على رف بطريقة آمنة وسيتولى ضغط المياه المندفعة تنظيف الأطباق!

في هذه الأثناء، خفت نجم زوجها في الحزب الديموقراطي، وأدى إفراطه في شرب الكحول إلى أن يصبح شخصا عنيفا وسرعان ما أصابه المرض، وبينما كانت هي مشغولة بتفاصيل اختراعها، مات وليم في عام 1883م، وتركها غارقة في الديون.

الاختراع وسيلة للبقاء

لم يعد اختراعها لغسالة الصحون مجرد وسيلة للراحة والرفاهية فحسب، بل أصبح ضرورة من أجل بقائها حية، فقدمت تصميمها لعدد قليل من الأصدقاء وأجرت عليها تجربة أمامهم لكنها باءت بالفشل.

لم تكن جوزيفين قد درست علم الميكانيكا دراسة أكاديمية، لذلك كانت في حاجة لمن يساعدها، وكان المهندس الشاب "جورج باترز" هو الرجل المناسب، فعملا معا في الحديقة الخلفية للقصر من أجل تحسين التصميم.

أخذت مقاسات الأطباق والصواني والكؤوس، ثم صنعت رفوفا من الأسلاك لتحملها ووضعتها داخل عجلة وضعت أفقيا داخل مرجل (غلاية) من النحاس، يتم تدويرها يدويا بينما يتم ضخ الماء الساخن مع الصابون من أسفل الغلاية، وفي النهاية حصلت "جوزيفين" على أول براءة اختراع لآلة غسل الصحون، في 28 سبتمبر 1886م.

كان سعر الغسالة المرتفع 150 دولارا للواحدة، ونقص إمدادات المياه الساخنة في المنازل سببا في عدم إقبال ربات البيوت عليها، لذلك توجهت إلى الفنادق فباعت لفندق "بالمر هاوس" ثم باعت لفندق "شيرمان هاوس"، بمبلغ 800 دولار.

بعدها، حصلت على براءة اختراع ثانية عام 1890م، لتطويرها طريقة تدوير الغلاية بواسطة موتور (محرك)، وفي عام 1893م، عرضت اختراعها في معرض بشيكاجو، حيث باعت 9 وحدات واتسع نطاق زبائنها ليشمل المستشفيات والمطاعم والجامعات ما شجعها على تأسيس مصنع خاص في مدرسة مهجورة.

آخر الرحلة

ماتت "جوزيفين" إثر سكتة دماغية، في 3 أغسطس عام 1913م، عن عمر 74 عاما، وبعد موتها اشترت شركة هوبارت شركة جوزيفين لتصبح شركة "كيتشن أيد" التي صارت الآن "مؤسسة وايرلبول".

لم يتح لها أن تستخدم غسالتها طويلا، ولم تنتشر في المنازل إلا في النصف الثاني من القرن الماضي، حيث توفرت المياه الساخنة في المنازل،وتطورت صناعة الصابون ومساحيق الغسيل.

شكرا جوزيفين كوكرين على هديتك لبنات حواء.