أحيانا يصبح الإنسان عبئا على نفسه والدنيا، فيُرحّل إلى عالم آخر يستطيع تحمله. المسيح، يوحنا المعمدان، الحسين بن علي، مصطفى كامل، سميرة موسى، عبدالحليم حافظ، وغيرهم، عظماء كثيرون لم يستطيعوا تحمل أنفسهم، أو تقدر الدنيا على استيعابهم إلا لسنوات قليلة، فرحلوا أو رُحّلوا عنها وهم في سن الشباب.

تجد الأستاذ عبدالصبور قد تجاوز الثمانين عاما ولازال على نفس المقعد في نفس المقهى منذ ستين عاما، يسرد مع أصحابه نفس السيناريوهات وإن اختلفت الحوارات. حياة رتيبة لا تمل من تكرار نفسها، تنتهي برحيل صاحبها. في حين أن شبابا يرحلون ويتركون عالَما يحكي ويحلل ويبحث ويؤلف حولهم، أحيانا من أجل التسلية، وأوقات من أجل النقد ووضع نظريات يستفيد بها القادمون.

في مثل هذا اليوم "28 سبتمبر" من عام 1970، وهن قلب جمال عبدالناصر فقرر أن يستريح من صاحبه، الذي لم ير نفسه يوما رئيسا لدولة، وإنما أبا وأخا ورئيسا ومفكرا و و و، فتوقف قلبه عن النبض.

كان حمل عبدالناصر ثقيلا فاحتمله قلبه لمدة 52 عاما، ولم يرض بمحاولات استجدائه من قبل الأطباء المصريين أو السوفييت للعيش مع صاحبه أكثر من ذلك. ولديه حق؛ فهناك بشر تتجاوز أعمارهم المائة، لكنهم يعيشون لأنفسهم أو لمجتمع ضيق حولهم. لكن جمال حمّل نفسه عبء أمة انسحبت بإرادتها أو رغما عنها، من إدارة شؤونها وتركت الرجل وحده "أو هكذا اختار لنفسه" يدير كل شئ؛ فبات هو الأب والمفكر والحاكم. هو السياسة والاقتصاد والفن والدين والفلسفة.

هكذا رثاه السادات وهو يعلن وفاته:

تاريخ وفاة عبدالناصر "28 سبتمبر" يحمل ملامحه وشموليته بل يحمل ملامح من قتلوه... عبدالناصر الذي اتخذ من القومية العربية عقيدة وفلسفة، توفي في ذكرى انفصال سوريا عن مصر وتمردها على الجمهورية العربية المتحدة، في مثل هذا اليوم من عام 1961.

عبدالناصر كان يقول "فلسطين قبل سيناء"، وفي ذكرى وفاته عام 1995 وقعت "اتفاقية طابا" في واشنطن، بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وذلك ضمن اتفاق إعلان المبادئ. وهو نفس الذي شهد عام 2000 بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بعد دخول وزير الدفاع الإسرائيلي إرييل شارون لحرم المسجد الأقصى.

عبدالناصر الذي كان مهموما بقضايا العالم الثالث، وقاد مع غيره حركة التحرر من الاستعمار في منتصف القرن العشرين، رحل في ذكرى انضمام كلا من مالي والسنغال وإندونيسيا إلى الأمم المتحدة. حيث انضمت الأولى والثانية عام 1960، والأخيرة كانت عام 1950.

عبدالناصر القريب من البسطاء توفي في ذكرى ميلاد الضحكة البسيطة، الخارجة من القلب، الفنان علاء ولي الدين، الذي جاء إلى الدنيا في مثل هذا اليوم من عام 1963، فهل هناك صلة بين "28 سبتمبر" والبساطة؟!

البعض كان يرى عبدالناصر دينا، حتى أن نزار قد رثاه قائلا: " قتلناكَ.. يا آخرَ الأنبياءْ. قتلناكَ.. ليسَ جديداً علينا اغتيالُ الصحابةِ والأولياءْ؛ فكم من رسولٍ قتلنا. وكم من إمامٍ ذبحناهُ وهوَ يصلّي صلاةَ العشاءْ"... والتاريخ يقول إن "28 سبتمبر" هو ذكرى ميلاد كونفوشيوس، فيلسوف الصين أو إن شئت قل نبيها، عام 551 قبل الميلاد. وهو نفس اليوم الذي ولد فيه الداعية السعودي صالح الفوزان عام 1935. وتوفي فيه بابا الفاتيكان، يوحنا بولس الأول عام 1978.

في العالم العربي من يظهرون حب عبدالناصر ويصدرون للناس أنه "لا قبله ولا بعده" ومنهم المخرج السينمائي خالد يوسف، المولود في "28 سبتمبر" من عام 1964. فهل هذه صدفة أم أن هناك رابطا فلكيا روحانيا بينهما، ظهر ماديا في "28 سبتمبر". أم أن هذا التاريخ "ميلاد خالد ووفاة زعيمه" يشير إلى أن موت عبدالناصر كان على يد من أحبوه؟!