دخل عمر بن الخطاب يوما إلى الحرم فوجد رجالا ونساءً يتوضؤون على حوض واحد، ففرقهم بعصاته ومنعهم ذلك، وأمر بحوض للرجال وآخر للنساء. ويحكي ابن الجوزي في تاريخه أن عمر ندم فيما بعد على ضربه لهم في البيت الحرام أو أنه قد أتى إثما.

الرواية تثبت أن الرجال والنساء (وهم صحابة) منذ عهد الرسول وحتى خلافة عمر كانوا لا يجدون حرجا في الاجتماع على الوضوء جميعا في مكان واحد. وهنا نعود لمبدأ الفطرة السوية التي تعاملوا بها، ووجود درجة من سلامة النية وحفظ الحرمات وحسن القصد في العبادة.. أنت داخل الحرم وتريد الخشوع والتجرد من الشهوات، والتسامي عن الخطأ، والتوبة إلى الله، فمن المؤكد أن آخر شيء تقصده هو "البصبصة" أو التحرش أو التلصص على قدم امرأة أو ذراعها.

الشيء المحوري الآخر، أن المجتمع العربي القديم كان مشبع نفسيا وعاطفيا وجسديا في علاقته بالمرأة، وكان يستطيع جيدا الفصل بين وقت الرغبة ووقت العبادة فلا تلتبس لديه المشاعر والأوقات. والإسلام كرس لقاعدة أن الإنسان مسؤول عن أفعاله أمام الله ويستطيع أن يكون شريفا صامدا أمام ضعفه ورغباته.

وللواقعة أصل عند البخاري، في سلسلة الذهب، رواها مالك عن نافع عن ابن عمر، أن الرجال والنساء في زمن رسول الله كانوا يتوضؤون جميعا.

ما يحفظ الحرمات ويطهر القلوب ويضمن مجتمعا سليما وصحيا، تقل فيه الجريمة والانتهاكات والشعور بالخوف العام، هو عاطفة التضامن البناءة بين الناس، وأن نعلم أولادنا أن الفضيلة جزء فينا أودعه الله في نفوسنا حتى نحمي به الآخرين. وأن ممارسة الفضيلة يأتي بسعادة واستقرار نفسي تفوق الشهوة والنزق بمراحل كثيرة. أما أن يتحول الأمر إلى صراع وشعور عام بالخوف والتوتر وافتراض سوء النية على طول الخط. بل وأن نجعل الانتهاك والتحرش والضعف توقع دائم وطبيعي، فهو ما سيجعل الكل يستسهله في أول فرصة متاحة يخلو فيها لنفسه ويضمن الإفلات من العقوبة.

يجب أن نعلم أولادنا أن عقوبة الضمير أشد قسوةً من عقوبة القانون. أما الزي فهو وسيلة نلجأ لها كتدبير وقائي مساعد في الحماية. وليس تدبيرا وحيدا أو كافيا.

ولذلك نجد أن حالات التحرش والاعتداء البدني واللفظي على المرأة في الشارع لا يتعلق أبدا بشكل الزي المنتشر بينهن. ونجد التحرش يحدث بالمنقبات والمخمرات وبالأمهات كما يحدث للفتيات الصغيرات. الذي يحمي المجتمع كما قلت هو الشعور بالتضامن العام، وما يجعله ينهار إلى الجريمة والحساس بالخوف هو حالة التفكك والتشظي والشعور بالحقد والكراهية من الجميع ضد الجميع. أو أن يصير من حق الجميع أن ينتهك الجميع. رجالا ونساء.

**

ولو تحدثنا عن عورة المرأة فلن نجد اختلافا فقهيا في قضية كتلك القضية.. وهو الدليل الأكبر على عدم وجود حسم ديني مباشر حولها، وأن الأمر يستقل بتعريفه كل مجتمع بما يضمن الاستقرار وعموم الاحتشام. فلدينا من قال بعموم النقاب، فلا تُظِهر المرأة غير عين واحدة من باب الضرورة، ولدينا من قال بغير ذلك.

فبناء على واقعة الوضوء جميعا، نجد أن الإمام بن جرير الطبري شيخ المفسرين يجعل الوجه والكفين ليسا الاستثناء الوحيد من "عورة" المرأة، بل يزيد إلى منتصف الذراع. لأنه من الطبيعي أن ينكشف كمها أثناء الأخذ والعطاء. وأنه جزء ضروري الكشف عند الوضوء.

ونجد الإمام أبي حنيفة يزيد القدمين. وأبو يوسف تلميذه يرى أن ظهور نهايات الشعر في الصلاة لا يفسدها، لأن ظهور الجزء لا يعبر عن الكل. وهكذا.

ونكمل في مرات قادمة..