لا يُمكن أن نستمتع بأجواء العيد وحدنا ونترككم، تؤلم الأنانية ضمائرنا، وتأبى بهجتنا أن تكتمل دونكم.. كثير علينا أن ننعم بعيد لستم جالسين على أريكته! طقس تليد عنوانه الوفاء، تمتلئ دروب المقابر وطرقاتها صبيحة يوم العيد، بزوار الراحلين، ممن غادروا ضجيج ظاهر الأرض وحيرة تقلباتها، إلى حيث سكون باطنها واستقراراليقين.

طقس قد سخر أغلبنا من طبيعته حين الدعة وأيام السذاجة الأولى، والآن يسخر الآخرون منّا مذ ذقنا لوعة الافتراق وتبخرت من بين قبضاتنا ألفة الاعتياد.

عرفت الخطوات طريق المقابر وغاصت برمالها ذهابا وإيابا، وفقد الموت رعبه القديم، فقد صار لنا في مملكته عزيز، حلَّ ضيفا لديه.. نأمل أن تحسن ضيافته أيها الغياب المعظم.

لا يأبه الزوار كثيرا بالرائج من الممنوعات الدينية، فلقد صنعوا فقها للواقع، ساد واستقر.. وعجز قساة القلوب من أتباع الماضي، عن تبديل ما استقر، فهم يدركون أنهم يعبثون بمنطقة غاية في الحساسية، قد تقلب عليهم ظهر المجن، إنهم يفرقون بين المرء وجذره.. من سيقبل هذا؟!

حاولوا كثيرا لكن هيهات.

هناك ستسمع روايات كثيرة تؤكد إباحة الزيارة بل ووجوبها، ستستمع لآراء فقهية لم تسمع بها من قبل، ولأحاديث نبوية لم ترد بكتب الحديث، ولآيات قرآنية مجتزأة، لا علاقة لها بالأمر، المهم: أن الله يبيح الأمر لنا، ويثيبنا عليه، فلا شأن لك بنا.

الأسود سائد، لكن خليط الألوان متواجد بعكس المألوف في باقي الأيام.. سكون المقابر ينقلب مهرجانا مفعما بالحياة، بالونات الأطفال وعبثهم، حوارات الزائرين لا تنقطع، ولا يتوقف معها عناق الأقارب وترحيب الأحباء.. تنحسر العباءات فتكشف عن طلاءات أظافر لأقدام أصرت على ولوج المقابر بكامل بهائها، وجوه الصبايا مُزينة بكامل أصباغها، في لهفة واضحة لخوض غمارالحياة، عجز مقر الموت عن كبحها.

الأراجيح تعمل بكامل طاقتها، في مواجهة أبواب الدخول للموت، قد يصادفك نعش محمول صاحبه، وافقت وفاته صبيحة العيد، لا تتوقف الأرزاق لمروره أكثر من ثوانٍ، ينهر الكبار صغارهم عن اللهو لحظات، تنحسر البهجة مفسحة الطريق لغمامة الموت القادمة، يمر النعش للداخل، فتعود البهجة في بطء لفرش أبسطتها على الجميع، حتى تفرض قانونها.. الحياة هنا تسبق الموت، جئنا لنشرك الأموات بهجة عيدنا، لا أن يشركونا هم كآبة الرقاد، أجزم أن الجميع يرى فقيده بهيئة باسمة راضية في تمدده الأخير.

نحن هنا معكم، لم ننسكم، ولم يغيبكم حاجز قشرة الأرض الهش عن ذاكرتنا، تنطلق البسمات المقابلة لشواهد القبور، مع تأني العيون في متابعة أحرف أسماء الراحلين، فتتشكل ملامح وجوههم كاملة بشوشة فوق رخام الشاهد.. الحديث لا ينقطع في شتى شؤون الحياة، يشعل الزوار تبغهم، ويسردون المناقب واللحظات الطيبة للراحلين، يصاحبه ابتسامات الحكمة الرزينة، قد يستفز أحدهم دموعه بالتذكر، ثم ينتبه فيخشع سريعا لطقس البهجة وقانون العيد، فيكفكف دمعاته، ثم يندمج بطقس البهجة الحزين، مدرجا الأمل باليقين في كون الراقد بأسفل الشاهد يبادلهم البسمات.

مضى الوقت، وآن أوان الرحيل، الحياة تسحبنا نحو مقتضياتها وأولوياتها، سنمضي الآن أيها الأعزاء.. لا لن نغيب، لا داعي للقلق، ستتكرر زياراتنا، ارقدوا في سلام، حتى نلتقي.