أستغرب حقيقة من أولئك الذين يحرصون على قراءة وتحليل حِقبة ما قبل الإسلام وتحديدا ما كان عليه العرب قبيل البعثة النبوية.. وأساس استغرابي بأننا أصلا نعيشه حاليا! بل وزاد حدة وكفرا وفجرا عما كانت عليه العرب؛ لأننا المفترض نعيش الحقبة ما بعد البعثة المحمدية وليس قبلها!

نحن الآن نعيش عصرا أشد وطأة من الجاهلية، فمنذ أن نصبح وحتى نخلد للنوم وقد مارسنا كل أنواع الجاهلية وباسم الظروف والدين.. فلنراجع أنفسنا!

جاءتني فكرة المقال وأنا أتابع أحد الأفلام التي تُحدثنا عن تلك الحقبة، ورأيت وسمعت وشاهدت كل الأخلاق والكلمات والأفعال، التي تؤكد بأننا نعيش العصر الجاهلي.. من شرك وكذب ونفاق ورشاوى وربا وخمر ولعب الميسر والفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا ننسى العنصرية والطائفية والمرجعية وسفك الدماء وقتل الأخ لأخيه المسلم بدون رجفة العين. وكل أمر فيه فسق وعهر قد نتخيله.. والدليل لننظر إلى حال الأمة، والتي من المفترض أن تكون خير أمة أخرجت للناس. فحبذا لو وضعنا خطا تحت كل عنصر أو كلمة ونتأمل فيها بصدق لنعلم كم انحرفنا عن الجادة والطريق! وبالرغم من ذلك نطلب النصرة من الله بكل صفاقة؟!

الله الذي اختارنا دون سائر الأمم وجعلنا خلاصة الأمم في مجتمع المفروض لا فرق فيه بين العربي والأعجمي إلا بالتقوى! وأسيلت دماء زكية على مر التاريخ لوحدة الأرض والصف الواحد.. ووضعت فيه كافة الشرائع والقوانين الإلهية التي تكفل العيش الكريم لكافة البشر الممزوجة بالعز والكرامة لبني البشر.

أين نحن مما يجب أن نكون؟! وماذا أصبحنا؟! هناك فرق كبير من التوكل والتواكل ففي الأولى العمل وفي الثانية الكسل والأمل! ونحن اخترنا الثاني! وأن نمارس حياتنا بالتمني وسهولة إلقاء اللوم على هذا وذاك وكأننا لسنا جزءا من الحل والمعادلة.

إن النبي الذي لا ينطق عن الهوى قال إنه- عليه الصلاة والسلام- قد تركنا على المحجة البيضاء وفي هذا قول كثير وعميق، وأنه بالتأكيد توجد حلول جذرية لإصلاح حال الأمة ورجوعها إلى مسارها.. ورجالات الأمة ونسائها كل من موقعه فيهم البركة.. ولكننا فضلنا أن نكون جزءا من اللعبة بل ولعبة في أيدي الدول الغربية، وأن نصدق أي كذبة وننساق لأي فتنة يتم تفصيلها لنا.

فأصبحنا دولا ودويلات مقسمة وكل يتغنى لوطنه بما في ذلك من ترسيخ للطائفية والعنصرية وضيق الأفق في حين كان العربي يتنقل بحرية وتكون بلاده اين ما يستقر. أين نحن الآن؟ الخليج دولا والشام دولا وشمال إفريقيا دولا والنتيجة واضحه جليّة ولاحول ولاقوة إلا بالله.

وبالرغم من كل شيء لازلنا لا نقرأ ولا نستوعب ولانتعلم ونعيش على شعارات لا نفقه مضمونها.. ونرمي كل شيء على الحكومات تارة والقدر تارة والغرب تارة فقط أي شيء حتى لا نشعر بالذنب والسلام والعيب أصلا فينا!

الأمة تظل فيها البركة لأن الموضوع فيه أمر وسر إلهيين بأن اختار العرب لختام رسالاته السماوية.. فالكل مدعو للتفكير والعمل الصادق حكومات وأفرادا .. فالحكومات بسبب الاتكال عليها في أصغر الأمور أخذت دور الوصاية في أمور كثيرة، وقد ترى شعوبها صغارا يجب توجيههم ومراقبتهم في الصغيرة قبل الكبيرة لأننا وجهناها لذلك والطبع يغلب التطبع.

الحكومات لها دورها وللشعوب دورها كذلك والتكامل بأسلوب حضاري وجاد الوسيلة لإصلاح الأمور.. هذا إذا أردنا أن تحترمنا الأمم الأخرى وقبل ذلك نظرة الله لنا ليمدنا بالتوفيق، وأن ننعم بدعاء نبينا والرجوع إلى الجادة. فإن الإصلاح يجب أن ينبع من داخلنا بدون استثناء. والله سبحانه وتعالى يقول: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ".. فهل بدأنا.. فالمشوار طويل ولكن إن اجتهدنا بصدق سنصل يوما ما لعله قريبا؟