يحيى الفخراني وعلامة جديدة على المسرح المصري.. وإضافة جميلة للمسرح القومي.. إنها المسرحية الغنائية الخفيفة الجميلة (ليلة من ألف ليلة) لبيرم التونسي.. عودة إلى التاريخ.. عودة إلى زمنين ومكانين من التاريخ: أقدمهما بغداد في عصور الخلافة الإسلامية حيث تدور أحداث المسرحية، وثانيهما مصر منذ قرابة قرن أو أقل قليلا وقت كتبها بيرم التونسي الذي كان تونسي الجنسية مصري الهوى والهوية..

منذ قبل أن تدخل قاعة العرض.. منذ أن تذهب لتشتري تذاكر عرض المسرحية تشعر بالدفء والبشاشة والاحترام من القائمين على المسرح القومي.. هذا بالإضافة إلى جماله المعماري وظهور تراثه الإسلامي القديم وروعة التجديد.. وكعادة عروض يحيى الفخراني دائما تجد المسرح ممتلئا بأكمله. وتحمد الله أنك وجدت مكانا بالذات في إجازة عيد الأضحى.. ولما يحين موعد العرض يبهرك المسرح القومي كله بمبانية القديمة الجديدة فأنت تجلس في مسرح يعود تاريخ بنائه إلى عام 1920.. وعلى رأس خشبة المسرح قرب السقف العالي كتب بخط قديم: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.. حالا تصلك رسالة هذا المسرح: نحن لا نقدم هزلا، نحن نقدم قيما فنية عالية.

وهذا بالضبط ما تجد عليه العرض المسرحي.. ليس سياسيا ولا يناقش قضية معاصرة ولكنه كالمسرح العالمي يعرض طبائع الانسان التي لا تتغير كثيرا بمرور الأزمان، ولا بتغير المكان.. موضوعات بسيطة كالتسول والرياء والنصب والخطف والرشوة وما يقابلها من البراءة والحب والبساطة والعدل والحق.. والمعالجة الموسيقية ممتازة فالكلمات الشعرية العامية المصرية المفهومة للجميع تجمل وترقى بالموسيقى التراثية غير الثقيلة ولا الطويلة.. وبمساعدة الرقصات المتميزة للمجموعات والديكور العباسي تشعر أنك عدت بالزمن وذهبت إلى بغداد وترى تابلوه متحركا باهرا يأخذ نظرك كبيرا كنت أو صغير.

يحيى الفخراني أسطورة مسرح.. يجذب عيني الحضور بأداء متميز طبيعي حقيقي.. وكما قال كثيرون هو أكثر نجاحا في المسرح عن السينما والتلفزيون.. ربما.. ولكن المؤكد أنه – وعلى الأخص في المسرح – جرئ ومغامر.. أن يدخل بطلا في مسرحية غنائية وبجانبه هبه مجدي ومحمد محسن محترفي الغناء، أن يخطف أنظار الجمهور ولكنه يسمح في الوقت نفسه بظهور نجوم أخرى معه وبجانبه، أن يعمل مع الفريق لا كالنجم الذي نذهب أصلا إلى المسرح كي نراه ولكن كفنان ملتزم وكجزء من الفريق كله.. هذا هو ما أحبه في يحيى الفخراني ولا ينتقص هذا من إعجابي واحترامي له كفنان قدير ونجم متميز جدا.

لطفي لبيب أيضا مبهر على خشبة المسرح – ولا أبالغ إذا قلت إنه متميز في معظم أدواره السينمائية والتلفزيونية مهما قصرت.. ضج المسرح بالتصفيق له حين ظهر في دور الشرير إلى النهاية.. وتعجب كل من لم يره على المسرح من قبل من ضخامة صوته التي لا تتماشى مع خفة وزنه وسرعة ورشاقة حركته.. جميل هو مهما كان شريرا.. تحبه حتى النهاية.

هبة مجدي ومحمد محسن اكتشافان رائعان.. هبة التي حصلت على الماجستير من الكونسرفتوار صقلت بدراستها موهبة فريدة تتخطى الصوت الملائكي لتصاحبه انسيابية الحركات فيما تطلبه الدور من رقصات خفيفة، وجمال رقيق من نوع نادر لوجه بريء وابتسامة طبيعية جميلة.. فنانة متكاملة الأداء وبخاصة على المسرح الذي أعتقد سيكون لها فيه الحظ الأوفر.. أما محمد فهو الصوت الرائع المتميز.. يحبه الجمهور عندما يغني.. صوت متميز بالقوة والنعومة التي لا تفقده ما يميز الصوت الرجالي الرخيم.. ربما بدا خليفة صغير السن قليلا كما قال البعض ولكن هذا ليس هو المقياس.. أداؤه جيد وقد يصير أفضل مع التدريب وتعدد الأدوار.

إذا كنت تريد أن تصحب أسرتك إلى أمسية راقية من الفن والموسيقى، بادر سريعا بشراء التذاكر لمسرحية (ليلة من ألف ليلة).. هذا ليس إعلانا مدفوع الأجر، بل توصية من أسرة استمتعت بتلك (الليلة) في أجوائها الصحيحة في (ليلة من ليالي عيد الأضحى).. وكل عام وأنتم بخير.