وكان استخدام التطعيمات محظورا، إذ كانت الكنيسة وفي صيغة متطابقة، تمام التطابق، مع ما يردده مشايخنا إلى اليوم، قد أعلنت أن أمراضا كالجدري والكوليرا، تلك التي حصدت أرواح الأوروبيين حصدا، إنما هي عقاب سماوي من الله بسبب خطايا المسيحيين، ومن ثم فقد أصبح التدخل البشري بالتطعيم محرما شرعا، لأنه يعني تدخل في المشيئة الإلهية من شأنه أن يتسبب في زيادة غضب الرب وانتشار رقعة المرض. لقد كان إيواء أحد المسيحيين لطبيب داخل منزله كفيلا بأن يُلقي عليه قنبلة مشتعلة لإحراق بيته؛ تماما كما حدث مع الدكتور "بوليستون" الذي كان يصر على ضرورة التطعيم ضد الجدري.

وكانت الكنيسة التي لم تتهاون محاكم تفتيشها عن إزهاق عشرات الآلاف من الأرواح، تبرر رفضها لتشريح الجثث بالقول: إنها تمقت إسالة الدماء. وتصف أولئك الأطباء الراغبين في تشريح جثث الموتى بأنهم جزارين بلا قلب، لا رحمة لديهم ولا شفقة. لقد كانت أعلى سلطة في المسيحية ترى أن تشريح جثث الإنسان الذي خلقه الله على صورته، إهانة للذات الإلهية، قد يجازى عليها يوم البعث بأهوال تفوق التصور. وهو تصور خرافي كان قد عطل مسيرة العلم لفترات ليست بالقصيرة.

كما وتسببت المعتقدات الدينية في تأخر علوم الفلك بالقدر ذاته، إذ كانت الكنيسة ترى أن الأجرام السماوية المذيلة أو المعروفة باسم المذنبات ما هي إلا كرات من اللهب يقذفُ بها الله من السماء أثناء نوبات غضبه على عالمنا الشرير، وقد حذر رجالها أتباعهم من النظر إلى تلك الأجرام، وشبهوا من يفعل بأنه كالبهيمة تقف مشدوهة على أبواب الحظائر. يقول الدكتور "برويز بيود": حتى قرب نهاية القرن السابع عشر، كان على أساتذة الفلك أن يقسموا قسما يمنعهم من تدريس تلك الأجرام. نعم! إلى هذا الحد كانت صورة الله في الذهنية المسيحية مختلفة تمام الاختلاف عما هي عليه الآن.

وكانت حرفية الإيمان بما ورد في الكتاب المقدس، قد تسببت في صدام كبير بين اللاهوتيين والجيولوجيين، فلئن كان الإنجيل يقول بخلق الكون في ستة أيام، بدأت - بحسب رئيس أساقفة الكنيسة الإيرلندية - يوم الأحد الموافق 23 أكتوبر عام 4004 قبل الميلاد، فالجيولوجيا جاءت لتدحض بالأدلة العلمية تلك الفكرة، ولتثبت خطأها جملة وتفصيلاً.

إذ ذاك تمثل الرد الكنسي على هذه الكشوفات بوابل من التهم القميئة، فوصفت الجيولوجيا بأوصاف من قبيل الفسق، والفن الأسود، والمدفعية الشيطانية! ولم ينجُ الجيولوجيون أنفسهم من الاتهامات الكنسية، فوصفوا بالخونة المكذبين للسجل المقدس، وبتحريض من البابا تم منع إقامة المؤتمر العلمي الذي كان من المزمع عقده في بولونيا عام 1850.

وكانت الكنيسة التي تؤمن بأن العواصف تحدثها الشياطين والنساء، تؤمن أيضا بأن الصواعق تحدث كنتيجة لخمس خطايا هي: الشك. عدم التوبة. إهمال ترميم الكنائس. التزوير في دفع العشور. اضطهاد المرؤوسين والخدم. وكان الباباوات يطلقون عليها المدفعية الإلهية أو إصبع الله الذي يستخدمه ضد مرتكبي هذه الخطايا الخمس. وحين اكتشف بنيامين فرانكلين الطبيعة الكهربائية لهذه الظاهرة الكونية، وظهر لأول مرة مانع الصواعق، رفضت الكنيسة استخدام هذا الاكتشاف المذهل، تحت ذريعة أنه يعد تدخلاً في مشيئة الله من شأنه أن يفضي إلى غضبه فيطلق من السماء المزيد من المدفعية الإلهية على الأرض.

وكنتيجة مباشرة لهذا التزمت، وفي أقل من 35 عاما في ألمانيا وحدها، تم تدمير حوالي 400 برج من أبراج الكنائس، ولقي 120 من قارعي الأجراس حتفهم بسبب المدفعية الإلهية، لكن، ويا للغرابة، صمد بيت للدعارة ولم يصبه أذى بسبب استخدام مانع الصواعق. إذ ذاك؛ بلغ الحرج بالكنيسة أن اعترفت بضرورة استخدامه، وذهبت حكاية المدفعية الإلهيةـ تحت وطأة الانتصار العلماني، إلى متحف نكت التاريخ!

لكن ما يُحسب للكنيسة أنها وبعد طول عناد، دام قرابة أربعة قرون، عادت واعترفت بخطئها التاريخي، بل واعتذرت عما فعلت، إذ قال البابا يوحنا الثاني في التاسع من مايو لعام 1983: إن تجربة الكنيسة في أثناء وبعد مسألة جاليليو قد أدت إلى موقف أكثر رشدا.. فقط من خلال الدراسة الدؤوبة والمتواضعة تسنى لها أن تعلم كيف تفصل بين لزوميات الإيمان ومعطيات الأنظمة العلمية..".

فهل نتوقع من مؤسساتنا الدينية الإسلامية، عما قريب، اعترافا علمانيا، كاعتراف الكنيسة، أم يتوجب علينا الانتظار لقرون؟!

للتواصل مع الكاتب عبر فيسبوك