وأنا في العشرين، كانت الخامسة والثلاثون رقمًا كبيرًا وبعيدًا. بدا عيد ميلادي الخامس والثلاثون وقتها كميعاد ملائم لنهاية التاريخ فلما أتى ولم ينته التاريخ كما ظننت حاصرتني الحيرة، فأنا وللمرة الأولى – من وقتٍ طويل جدًا – خارج أمان مظلة الخطة. للمرة الأولى منذ بدأت أخطط لم يكن لدي سيناريو دقيق لسنواتي القادمة، ولا سيناريوهات بديلة للسيناريو الدقيق.

لا أتذكر تحديدًا متى أو كيف توقفت عن التخطيط الدقيق. ولكنني أعلم يقينًا أن ابنة العشرين كانت لتصدم من ابنة الخامسة والثلاثين التي تعيش في ظل خطوط عريضة لا خطة دقيقة. ربما لأن ابنة العشرين لا تعرف عن الفشل ما تعرفه ابنة الخامسة والثلاثين عن التخطيط الدقيق.

تبدو السيناريوهات المخططة بدقة مريحة، فهي تمنح صاحبها وهم السيطرة على حياته. ولكن في الحقيقة السيناريوهات المخططة بدقة أقصر طريق للإحباط والضغط العصبي المستمر. السيناريوهات المخططة بدقة تحبس صاحبها في ركن الفشل مهما كان نجاحه، لأن دائمًا هناك تفصيلة ناقصة تفسد بهجة الوصول للهدف.

ما لا تعرفه ابنة العشرين عن التخطيط هو الحقيقة المرة "كل حاجة بتحصل لكن بطلوع الروح". فالحظ أغلبه عمل شاق ومثابرة وقليل جدًا من التواجد في المكان المناسب في التوقيت المناسب. الحياة في ظل الخطوط العريضة تفتح آفاق التواجد في المكان المناسب والتوقيت المناسب في حين أن التخطيط الدقيق قد يفوّت علينا فرصة تنتظرنا على بعد سنتيمترات قليلة فقط لأن التحرك لهذا المكان لم يكن في الخطة!

ما لا تعرفه ابنة العشرين أن الفشل لا علاقة له بعدم الوصول للنتيجة المخطط لها. الفشل هو أن نجرب ولا نتعلم. الفشل هو أن نحقق أهدافًا لم تكن لتكون أهدافًا لولا الظروف. الفشل هو ألا نجرب بغض النظر عن نتيجة التجربة.

ما ستعرفه ابنة العشرين مع الوقت أن التجربة تاج على رؤوس المجربين. وأن ألم المعرفة أفضل ألف مرة من سعادة الجهل. ما ستتعلمه ابنة العشرين مع الوقت أن فلانة التي استغلت صداقتهما لم تكن فشلًا ولكنها درسًا مكثفًا للتعامل مع الخداع. كما ستتعلم أن الزواج كهدف يسهل تحقيقه، لكن الزواج من الرجل المناسب يكاد يكون هدفًا مستحيلًا. ستندم ابنة العشرين على سخريتها من فن المكياج وعدم تعلمها قواعده، وستكتشف أنه مهارة هامة (ربما بعد فوات أوان تعلمها). لكنها لن تندم على قرارها بترك الوظيفة المخطط لها بدقة، كما لن تندم على مشاعر جميلة منحتها لمن لا يستحق.

ستكتشف ابنة العشرين وهي تخطو العلامة السادسة والثلاثين أن العالم لا يزال مكانًا مخيفًا وأكثر ما يُخيف فيه إنه غير مضمون، ولا يمكن السيطرة عليه. ولكنّها ستتعلم أن "تسايس" خوفها، بالمواجهة مرة وبالتجاهل مرات. ستتعلم أن تتعامل (أو على الأقل تحاول أن تتعامل) مع الفقد وأشباح المرض والموت.

ستكتشف ابنة العشرين وهي تخطو العلامة السادسة والثلاثين أن "بكرة دايمًا أحلى" وأن أحلى ما في هذا البكرة أنه موجود بالأساس. بغض النظر عما يحمل هذا البكرة من أفراح أو أتراح الأهم أنه "بيجي" لأن في كل بكرة فرصة وفي كل فرصة حياة.

فقط ستتمنى ابنة السادسة والثلاثين لو كان ممكنًا أن تسافر في الزمن لتترك لابنة العشرين نصيحة واحدة.. "شيماء! كفاية أكل!"

اقرأ أيضا