عزيزي ..

أكثر ما يجذبني إليك هو قدرتك على إدهاشي. وأكثر ما يدهشني فيك نزعاتك للتقليدية. ظهرت هذه النزعات أول ما ظهرت حينما سألتني السؤال الأزلي "إنتِ عايزة مني إيه؟".

"مش عايزة حاجة!" جاءت إجابتي تقليدية كتقليدية سؤالك. في الحقيقة لم أخذ سؤالك على محمل الجد وقتها. فأنا على أي حال لم أكن لأجيبه بصدق، لأنني وحتى اللحظة لا أعرف يقينًا "أنا عايزة منك إيه".

يغيب سؤالك عن ذهني أياما ثم يعود ليلح عليّ كلما اشتقت إليك. في حال الاشتياق إجابة كل الأسئلة سهلة، فكل ما أريده في غيابك هو حضورك. وفي حضورك يعود السؤال ليصبح بلا إجابة. فأنا في حضورك "مش عايزة حاجة"! ثم كان أن مر أمامي اقتباس عن الحرية، يقول إن الطيور التي تولد في الأقفاص تظن أن الطيران جريمة. لسبب ما استدعى هذا الاقتباس سؤالك ووجدت في الطير وقفصه وطيرانه شبهة إجابة له.

دعني أخبرك أولًا عن الطيور، الطير المحبوس في القفص غير ممنوع من الطيران. الطير المحبوس في القفص "مصرح" له بالطيران داخل حدود قفصه. أما الطيران خارج القفص فممنوع والغرض من المنع هو "حماية" الطائر الذي ربما إذا تُرك ليطير كيفما وأينما أراد لما تمكن من العودة للقفص. فالطيران، يا عزيزي، حق أصيل للطيور، يمكن تنظيمه وتقنينه ولكن لا يمكن تحريمه!

ما لا تعرفه عن الأقفاص هو أنها خانقة فقط قرب الأسوار. ما دمت في قلب القفص تمارس طيرانك "المصرح به" لن تزعجك أسوار القفص أبدًا، وربما ما عرفت أنك تطير في قفص من الأصل. بعض الطيور تولد وتموت في قلب القفص دون أن تعلم أن العالم يبدأ خارج حدوده. وبعض الطيور تعلم عن العالم خارج القفص ولكنّها تركن للحماية التي توفرها لها الأسور. القليل جدًا من الطيور يتحدون الأسوار بعضهم يموت دونها وبعضهم يتجاوزها ليقتله – أحيانًا - العالم.

ما لا تدركه عن العالم، أنه على رغم اتساعه يدور كله حول القفص. فالعالم ذاته ما هو إلا قفص يضم أقفاص أصغر، يصرح فيه طير محبوس لطير محبوس بالطيران. ما لا تدركه عن العالم أنه لا يوجد طير
"حر" فقط يوجد قفص أوسع!

أنا عايزة أطير!