كان يقول لي أنه أدرك أن قادة الجماعة هم سفاكو دماء، وأنهم يعملون من أجل مصالحهم الذاتية، وأن "القواعد" مظلومون، وأن مئات القتلى وآلاف المسجونين هم نتاج أفعالهم الصبيانية، وقراراتهم الطائشة التي حدثت في الفترة الماضية، وقراءتهم الخاطئة للواقع والخصوم.

  صديقي كان لا يكُف عن التأكيد لي أن هؤلاء القيادات ادعوا أنهم امتلكوا الحقيقة المطلقة، وأرادوا احتكار الإسلام دون سواهم، كأنهم أوصياء على الناس جميعاً، حتى أضاعوا الدعوة الإسلامية، وأبناء الحركة الإسلامية كلها، وجعلوهم خلف الأسوار والتاريخ.

  حواراتنا الكثيرة أنا وصديقي حول الجماعة الإسلامية والإخوان ومستقبلهما، كنا نتفق فيها دائمًا وتكون رؤانا متطابقة، لكن بعد وصول مرسي للحكم، لم أعد أراه، كان يهرب مني ببراعة كلما قابلته صدفة، ولم أكن أتصور أنه عاد لسيرته الأولى وحدثت له تحولات في المنهج والتفكير، إلا حينما رأيته في إحدى القنوات الموالية لجماعة الإخوان، وعلى الفور تذكرت جملة قالها لي "احنا غلطانين.. إزاي نمشي معاهم لما كانوا بيدخلوا السجون، ونسيبهم لما وصلوا للسلطة".

  صديقي انقلب على ما كان يؤمن به، بعدما تصور أن الإخوان باقية لمدة 100 عام مُقبلة، وخدعته اللحظة الفارقة لحازم صلاح وجماعة الإخوان، وكلمات صفوت عبد الغني الخادعة.

  الغريب أن صديقي كان أحد الوقوف على منصة رابعة، بل وكان يدغدغ مشاعر المعتصمين بكلمات ساحرة، لكنه ككل القيادات هرب قبل فض الاعتصام بيومين واختفى، حتى رأيته في صورة نشرتها صفحته الشخصية بصحبة زوجته وأولاده في اسطنبول.

  فَرَّ صديقي إلى تركيا، مدعياً أن فى ذلك مصلحة، بعد أن دعا أبناء الجماعة الغلابة للثورة على من أخذوا السلطة من الإخوان، وأراه كل يوم على قناة رابعة لا يكف عن الدعوة إلى المواجهة مع السلطة القائمة، والتظاهر اليومي في الشوارع، ونقد السلفيين الذين أيدوا خارطة الطريق.

  ويطلق صديقي الصيحات عبر الفيس بوك كالرعد، آمراً الشباب بالنزول إلى المظاهرات والفعاليات، وبذل الغالي والرخيص والتضحية بدمائهم، لدحر ما يسمى بـ"الانقلاب"، وإعادة الشرعية، بينما هو هناك بعيداً يستمتع بهواء اسطنبول الساحر، تاركاً الغلابة يواجهون مصيرهم المحتوم وهو السجون.

  كل ما يُشغل بال صديقي، الآن، هو الفرح الكبير بحرق سيارات الشرطة، أو التهليل لأي تفجير، وكأن في ذلك تحريراً للقدس، لأنه لن يخسر شيئًا طالما هو هارب إلى تركيا.
أيها الصديق مزدوج الشخصية، أتحداك أن تعود أنت إلى القاهرة، وتقف في ميدان التحرير، وأنت ترفع شارات رابعة.

  لا تقل لى إن هروبك من أجل حفظ النفس، وهو مقدّم وله أصل فى الشريعة، لكن أرجوك قل لي: ماذا عن حفظ أنفس أتباع الجماعة، والمواطنين المصريين المطحونين؟، وماذا عن حفظ الدين والوطن؟.

  أنا لن أتحدث عن المفاسد المالية التي ارتكبتموها بعد وصول الإخوان للسلطة، أو سوء إدارة الجماعة، أو الانقلاب على المبادرة، أو عودتك للعنف، أو توريطك للأفراد في مواجهات مع الدولة، أو خطأ رأيك في حزب النور، أو جلوسك مع أمن الدولة في السر، ثم إعلان مواقف مغايرة لذلك في العلن، وعلى نقدك وردك على كل ما يكتبه ناجح إبراهيم، رغم أن الرجل أراح نفسه منكم ومن هذه الجماعة البائسة، التي في جل تاريخها كله ـ منذ قتل السادات وإلى الآن ـ لم تقدم شيئاً للوطن أو الدين، سوى مفاسد جناها أتباعها المساكين.

  لكنني أتساءل عن تحولك عما كنت تعتقده، وانقلابك على تعهداتك بعد مبادرة وقف العنف، لأنني متأكد أنك مخدوع في أشياء كثيرة، وعندي أمل أنك ستعود كما أنت الذي أعرفه، وساعتها ستقرر العودة لمصر، وستجدني في انتظارك في المطار.