الحكاية ملك المتلقي وليس الراوي. فالراوي ينقل نصًا والمتلقي يفسره. أي نص يمكن تفسيره على أنه يحمل رسالة شخصية، كما أن أي نص يمكن فهمه على أنه ترميز للحالة العامة. كلٌ حسب خبراته وكلٌ حسب سياق سرد الحكاية. وهذه الحكاية لن يتدخل راويها في فرض السياق ولا استخلاص العبرة، الحكاية وسياقها وعبرها متروكة بالكامل لمالكها الأصلي (المتلقي).

تبدأ حكايتنا في بيرل هاربور، هاجمت القوات اليابانية الأسطول الأمريكي الرابض في المحيط الهادي. كانت اليابان تتوسع في المحيط الهادي وأوشك توسعها أن يتعارض مع المصالح الأمريكية. كان الهدف من الهجوم على بيرل هاربور هو تحييد الولايات المتحدة ومنعها من دخول الحرب.

نجح هجوم بيرل هاربور في تدمير بعض من قدرات الولايات المتحدة العسكرية، ولكنه فشل في الغرض الأساسي منه. لم يحيّد الهجوم الولايات المتحدة الأمريكية، بل على العكس كان السبب في دخولها الحرب.

أصبح هدف الولايات المتحدة الأمريكية هو هزيمة اليابان، ومن أجل هزيمة اليابان كان عليها أن تقوم بالحملة العسكرية تلو الحملة العسكرية لتأمين الأرض والموارد والتمهيد للوصول لعمق الأراضي اليابانية. في سنة 1944 أصبح من الواضح أن اليابان تخسر الحرب، لم تعد مواردها الاقتصادية أو البشرية تفي بتكلفة الحرب، لكن الإمبراطورية اليابانية أبت أن تستسلم أو تفاوض على سلام وقررت أن الكاميكازي هو الحل!

الكاميكازي هو هجوم انتحاري بالطائرات. استغلت الحكومة اليابانية في وقتها جزءا من ميراث شعبها الثقافي الذي يعلي الموت بشرف على الحياة في ظل الهزيمة لتجنيد الشباب للقيام بهذه المهام الانتحارية.

كان لتلك المهام الانتحارية غرض واحد وهو منع القوات الأمريكية من الوصول للعمق الياباني وكان نجاحها شبيهًا بنجاح هجوم بيرل هاربور في منع الولايات المتحدة الأمريكية من دخول الحرب.

لم يكن الكاميكازي هو تكتيك الياباني الانتحاري الوحيد. استخدم الجنود اليابانيون ما أطلق عليه جنود الحلفاء هجمات البانزاي في المواجهات البرية. كان الجنود اليابانيون يهجمون شاهرين سيوفهم في وجه أعدائهم بشجاعة، يا قاتل في الأغلب يا مقتول.

أحرز تكتيك البانزاي بعض النجاحات أمام القوات الصينية غير المنظمة وأمام القوات الأمريكية غير المهيئة للفكرة، ولكن ما إن تهيأت القوات الأمريكية لفكرة رغبة اليابانيين في الموت بهجمات البانزاي فمنحته لهم، حتى أن أحد القادة الأمريكين وضع خطة للسيطرة على جزيرة بيليليو Peleliu تعتمد على قيام اليابانيين باستخدام هجمات البانزاي لدحر قواته المهاجمة للجزيرة. كان الهدف هو السيطرة على الجزيرة في أربعة أيام. ولكن كان في انتظار القوات الأمريكية مفاجأة صغيرة عطلت خطة الأربعة أيام.

قرر القائد الياباني المكلف بالدفاع عن الجزيرة التخلي عن هجمات البانزاي. اعتمد القائد العسكري خطة دفاعية تستغل جغرافيا الجزيرة والتحصينات القائمة. وبدلًا من الأربعة أيام استمرت المعركة قرابة شهرين، وكانت المعركة الأكثر كلفة للولايات المتحدة الأمريكية في مسرح المحيط الهادي. دفعت الولايات المتحدة ثمنًا باهظًا للسيطرة على جزيرة ليس لها من الأهمية سوى مطار صغير، فقد أهميته حين رسخت أقدام القوات الأمريكية في مناطق أخرى.

ربما لو لم تعتمد الإمبراطورية اليابانية الانتحار كتكتيك حربي لما أصبحت بيليليو نصرًا أمريكيًا رغم مرارته، وربما لو لم تنتصر الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب لعوقب من أرسل قواته في مهمة انتحارية من أجل "الولا حاجة". وربما، أيضًا، لم تغير في الأمر شيء!

إن أعجبتك حكاية بيليليو يمكن مشاهدة فيلم تسجيلي عنها