هناك نكتة قديمة وسخيفة ولكنها يمكن أن تكون من أبلغ ما كُتب لوصف التصرفات النابعة من اليأس. تقول النكتة إن بلدياتنا قرر أن يشارك في المقاومة الفلسطينية، فذهب لحاجز إسرائيلي وطعن نفسه.

يُفترض أن النكتة تسخر من غباء "بلدياتنا" ولكننا لو تجاوزنا عن الغباء سنجد أن النكتة لا تختلف كثيرًا عن الواقع. فبطل النكتة شخص يريد شيئًا بشدة ولكنه لا يجد من الطرق ما يساعده على تحقيق هذا الشيء. بطل النكتة مثله مثل أبطال الواقع، يئسوا من واقعهم فقرروا محاولة تغييره بالطريقة الأخيرة المتاحة وهي الموت.

مع كل حادثة انتحار لأحد المشاهير يظهر إلى السطح نقاش قديم حول فكرة قتل النفس، البعض يقول بأن قتل النفس فعل شجاع، فكم منا يستطيع أن يذهب إلى الموت طواعية؟ والبعض يقول بأن الانتحار فعل جبان لأن المنتحر يهرب من مواجهة مشاكله. لكن في الحقيقة إن الانتحار لا فعل جبان ولا فعل شجاع، الانتحار فعل يائس. تضيق السبل ولا يبقى إلا طريق الموت. القرار في وقتها لا هو شجاع ولا هو جبان، القرار حتمي لأنه ليس لدى اليائس خيارات أخرى.

بلدياتنا الذي طعن نفسه في النكتة (وكذلك غيره من منفذي العمليات الانتحارية) نموذج لما يفعله اليأس بتقديرنا للأمور. فبلدياتنا الراغب بيأس في نصرة "القضية" الفلسطينية لم يفكر في تبعات طعن نفسه عند الحاجز الإسرائيلي. لم ير أن موته لن يغير من أمر فلسطين ولا إسرائيل شيئا، كل ما رآه هو اليأس واليأس هو من رأى في الموت طريق الخلاص.

واليأس الذي يرى في الموت خلاصًا يرى في أشياء دون الموت ولكنها في مثل فتكه الخلاص. اليأس هو ذلك الصوت الهامس بأن كل ما تحتاجه في الحياة هو قفزة إيمان leap of faith في حين أن الخبرة تقول لك بأنه لا يوجد مستقر لقدم على الجانب الأخر، وأن القفزة ليست إلا قفزة إلى هوة سحيقة.

اليأس هو التماس الأعذار لشخص لا يحاول الاعتذار.

اليأس هو الزن والإلحاح.

اليأس هو خفض سقف التوقعات حتى يكاد يلامس الأرض.

اليأس هو العلاقة التي كان يجب ألا تخوضها لولا الوحدة، وهو الوظيفة التي اضطررت للاستمرار بها لأنك تخشى عدم الاستقرار.

اليأس هو الإيمان بفاعلية شاي التخسيس!

اليأس هو الاستسلام والتسليم بأنه لا يوجد طرق إلا طريق واحد حتمي.

اليأس هو تدمير الذات من أجل القضية رغم أن القضية هي الذات!

اليأس هو خسارة المعركة من قبل حتى أن تبدأ. وكل ما يفصل بينك وبين تلك الخسارة هو تغيير بسيط في التكتيك. أجِلْ قرار اليأس ليوم آخر، اشتر وقتا.. فكل ما يحتاجه الأمل، أحيانًا، هو القليل جدًا من الوقت.