كانت "جرتي كوري" أول امرأة تفوز بجائزة نوبل في الطب، لمساهمتها في اكتشاف تسلسل التحول المحفز للجليكوجين، وأول أمريكية تحصل على جائزة نوبل في مجالاتها العلمية على الإطلاق، بعد أن قدمت اكتشافات هامة في مجال الأمراض المرتبطة بالتمثيل الغذائي للكربوهيدرات، ومنها السكر، وطرق علاجها.

أول الحكاية

في أغسطس 1896، ولدت "جرتي ثيريزا رادنتز" في براغ، عاصمة جمهورية التشيك، التي كانت جزءا من الإمبراطورية النمساوية المجرية آنذاك، كانت "جرتي" هي الابنة الكبرى بين ثلاث بنات، لأسرة يهودية يعمل عائلها "أوتو رادنتز" مديرا لمعمل تكرير سكر، بينما كان عمها، أستاذ طب الأطفال، سببا رئيسيا في ولعها بالعلم منذ طفولتها المبكرة.

الحب والحرب

درست "جرتي" في منزل العائلة، كعادة البنات في ذلك الزمان، ثم التحقت بمدرسة ثانوية خاصة للبنات، وكان دخول الجامعة يتطلب اجتياز اختبار للقبول، وهو ما حدث بالفعل، لتلتحق وسط نفر قليل من الطالبات بمدرسة الطب في جامعة فرديناند الألمانية، في براغ، في عام 1914، وهناك إلتقت بـ"كارل كوري"، الذى سيشاركها كل شيء: العلم والحب وهواية تسلق الجبال.

عندما اشتعلت الحرب العالمية الأولى، افترق العاشقان إلى حين، فذهب "كارل" إلى الجبهة الإيطالية ضمن الخدمات الطبية، وذهبت "جرتي" إلى مستشفى للأطفال.

خرجت أوروبا من الحرب مثخنة بالجراح، وتردت أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، كما ضربت المجاعات بعض مناطقها، ورأت "جرتي" آلاف الجرحى والمرضى، وعانت هي شخصيا من سوء التغذية.

بعد الحرب، عادا إلى الجامعة، ليتخرجا في عام 1920، ثم انتقلا إلى فيينا، لتعمل "جرتي" كمساعد طبيب في مستشفى للأطفال، وتحولت إلى الكاثوليكية، في حين عمل "كارل" في مستشفى جامعة فيينا، وفي قسم الصيدلة بجامعة جراتز، وتزوجا في نفس العام، لكنهما عاشا أياما صعبة، ولم تكن تلك هي الحياة التى يريدانها، لذلك قررا الهجرة، بحثا عن حياة أفضل.

عنوان جديد

بعد عامين وصل الزوجان إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لكن البدايات دائما ما تعتريها الصعوبات، ووافق "كارل" على الالتحاق بوظيفة كيميائي في معهد دراسات الأمراض الخبيثة بولاية نيويورك، ثم لحقت به "جرتي"، بعده بشهور، للعمل كمساعد في قسم الباثولوجي "علم الأمراض"، وإن بأجر رمزي وقتها.

لم يكن لدى الزوجان خبرة سابقة بالأمراض الخبيثة، محط اهتمام المعهد، كما لم يرحب مسؤولوه هناك بتعاونه مع "جرتي"، بل نصحوه بألا يتعاون معها لما في ذلك من ضرر بمسيرته المهنية، لكنهما تجاوزا كل ذلك، وبدءا مشروعا بحثيا هاما.

كان الاعتقاد السائد -آنذاك- أن تحول الجليكوجين (نوع من الكربوهيدرات) إلى جلوكوز، لا يحتاج إلى إنزيمات، بل يكفي اتحاد جزيء ماء مع الجليكوجين لينتج الجلوكوز، لكن "جرتي وكارل" اكتشفا مركبا وسيطا، صار يعرف باسمهما "كوري إستر"، يتكون بفعل إنزيم الـ "فوسفوروليز"، وكان هذا الكشف هو الأساس المتين لفهم عملية التمثيل الغذائي للسكر، أو الكربوهيدرات عموما، ودور الإنزيمات فيها، والأمراض المرتبطة بها، ومن ثم طرق علاجها.

وبعد أن أصبحا مواطنين أمريكيين، انتقلا إلى مدرسة الطب بجامعة واشنطن، حيث عمل "كارل" أستاذا لعلم الأدوية والعقاقير، ثم بعد ذلك، أستاذا فرئيسا لقسم الكيمياء الحيوية، وعملت "جرتي" باحثا مساعدا، وبأجر رمزي أيضا.

وضعت "جرتي" طفلهما الوحيد، في عام 1936، لكنها لم تتوقف عن العمل، فنشرت 11 بحثا مستقلا، حول آثار الآشعة السينية على عمليات التمثيل الغذائي، وتأثير إفرازات الغدة الدرقية على نمو أعداد طحالب البرامسيوم، وحول مقارنة مستويات السكر في الأوردة والشرايين، تحت تأثير هرمون الأنسولين، المكتشف حديثا، كما نشر الزوجان معا 50 بحثا مشتركا.

شجع اجتهاد "جرتي" الجامعة على منحها درجة أستاذ مشارك في الكيمياء الحيوية، في 1943، وبعد 4 سنوات نالت درجة أستاذ الكيمياء الحيوية، وفي نفس العام، أصيبت جرتي بمرض نادر من أمراض الدم، ظلت تقاومه لعشر سنوات، دون أن تتوقف خلالها عن بحوثها، بل اكتشفت مسارات انتقال الطاقة في الجسم، من العضلات إلى الكبد ثم العودة إلى العضلات، وصارت تلك الدورة تعرف بـ "دورة كوري"، وأدخلا عليها تعديلات بعد ذلك.

ساهمت "جرتي كوري" مساهمة أساسية في فهم ومعالجة الأمراض المختلفة المرتبطة بالتمثيل الغذائي، مثل مرض السكر، ووضعت أساسا لتصنيف أمراض الأطفال، وبرهنت على دور الإنزيمات في بعض الأمراض الوراثية، ووصفت إنجازاتها بأنها "إنجازات علمية لا مثيل لها".

اعتراف وتقدير

كانت "جرتي" عضوا في الجمعية الأمريكية للكيمياء، والجمعية الأمريكية للكيمياء الحيوية، والأكاديمية الوطنية للعلوم، والجمعية الفلسفية الأمريكية، ومنحت جوائز متعددة منها جائزة "سكويب لعلم الغدد الصماء"، و"ميدالية جارفان" المرموقة للنساء الكيميائيات، وجائزة مؤسسة أبحاث السكر مرتين، كما منحتها عدة جامعات الدكتوراه الفخرية في العلوم، لكن أكبر تقدير لها كان فوزها، بمشاركة زوجها والأرجنتيني "برناردو هوساي"، بجائزة نوبل في الطب والفسيولوجيا، في عام 1947.

لحظات لا تنسى

"هناك لحظات لا تنسى في حياتي، هي تلك اللحظات النادرة، التي تأتي بعد سنوات من العمل الشاق، عندما ينكشف النقاب فجأة عن سر من أسرار الطبيعة، ويبدو ما كان غامضا ومجهولا وفوضويا، واضحا وجميلا ومرتبا"، هكذا قالت "جرتي".

في 26 أكتوبر 1957، توقفت "جرتي" عن البحث والانجاز، لكن ما قدمته للعلم سيظل باقيا.

فأصحاب الإنجازات الكبرى -غالبا- لا يموتون.