هذا هو مقالي المئة لدوت مصر. وفي الأيام القليلة المقبلة سيحتفل "دوت مصر" بمرور عام على انطلاقه، وبعدها بأسابيع ستمر علينا الذكرى الأولى لرحيل أستاذي عبدالله كمال. كلها "نقاط فارقة" تستحق وقفة تأمل، فاسمحوا لي باستغلال هذه المساحة لتسجيل ملاحظة عابرة على تجربة الكتابة عن العلاقات.

حين بدأت التدوين كانت الإنجليزية لغتي المختارة؛ أولًا لأن التعامل مع الإنترنت باللغة الإنجليزية أسهل. ثانيًا، التعبير بالإنجليزية يمنح براحا من الآمان لا توفره العربية. أمان لم أكن لأتخلى عنه لولا أن واجهني صديق يومًا بحقيقة اختبائي خلف حاجز اللغة، فقررت كسره! (حاجز الخوف لا الصديق).

كان عنوان مقالي الأول لدوت مصر "الأكل والجنس.. حرية". أثار العنوان انتباه الكثيرين ممن يهتمون لأمري، إلا أنهم تجاهلوه على اعتبار أنه المقال الأول. ولكن لما تكرر ذكر الجنس في بعض المقالات بدأت تعليقاتهم تتوالى.

"إنت مابتكتبيش في السياسة ليه؟"

"هو إنت مش هتكتبي حاجة ثانية غير الموضوع ده؟"

"مقالاتك جميلة بس إنت عندك أفكار أهم من كده".

"مش هتلاقي اللي يتجوزك".

"البنات المعقدة بس اللي بتكتب عن العلاقات".

تتراوح إجاباتي على التعليقات السابقة بين السكوت والابتسام كرد "مهذب" على "معقدة" و"مش هتلاقي اللي يتجوزك" وبين محاولة الإجابة المنطقية لبعض الأسئلة.

فأنا أكتب عن السياسة بالفعل، فقط أوفر التعليق على الأحداث الجارية لشبكات التواصل الإجتماعي كجزء من واجبي الوطني في المشاركة في "الهري". لكن كتبت مقالات عن الحرب الأهلية مثلًا وعن دروس نهاية الجمهورية الرومانية وغيرها.

أما "الموضوع ده" (العلاقات) على ما يبدو من "هيافة"، إلا إنه جوهر مشكلاتنا. إنها علاقاتنا (العاطفية وغير العاطفية) التي تحدد شكل حياتنا. نظرتنا للعلاقات وما نظنه قواعدها، أدوار الرجال والنساء المتوقعة في المجتمع gender roles ، دور التقاليد في حياتنا ورغبتنا في كسرها أو تطويعها. إنه "الهلس" الذي يحدد "الجد" وليس العكس. وحتى إن لم يكن "لهذا الموضوع" "الهايف" أي أهمية سوى "الترويح" فهذا يكفي. (كفاية النكد اللي في كل حتة).

التعليقات السابقة متوقعة ومفهومة، لكن التعليق غير المفهوم هو التعليق على "حجابي".

أنا أنثى مصرية مسلمة محجبة كما هو واضح من الصورة المنشورة مع المقالات. كوني أنثى ده نتيجة للقدر (أو الصدفة لو عندك مشاكل مع القدر) وكوني مسلمة ده في بعضه قدري وفي بعضه اختيار (الإنسان والدين موضوع طويل)، وكوني محجبة ده قرار شخصي 100%. كل ما سبق من المفترض أنه ليس له علاقة بالأفكار التي أطرح. أو هكذا ظننت!

كان أن نُشر لي مقال بعنوان "عبء الجنس". حاز على إعجاب البعض لأنه "جريء"، وأثار حفيظة آخرين لنفس السبب. كان المقال يناقش دور الجنس في العلاقات لكن تحول النقاش حوله للمحجبة التي تكتب عن الجنس.

أتذكر أن أحدهم كتب لآخر "واخد بالك من الحجاب". فأجابه "أه لزوم الشغل".

لا أعلم تحديدًا ما هو "الشغل" الذي يعني ولكني متأكدة أن من يصفني بالهوس الجنسي لمجرد أنني تناولت في مقال فكرة دور الجنس في العلاقات العاطفية لا يعني خيرًا بحديثه عن "الشغل".

ثم كان أن علق "بعض" من يصفون نفسهم بالمتفتحين على تعارض "الحجاب" مع نوعية المقالات. رغم أنهم يقولون بأنهم من أنصار "الحرية" و"المساواة" ولكنهم استنكروا أن تكتب محجبة عن الجنس. كيف لمحجبة أن تفكر؟ كيف لمحجبة أن تناقش "التابو" المفضل للمجتمع. كيف لمحجبة أن تكون "متحررة زينا"!

الفريقان، ولسخرية القدر، قررا أن الحجاب والجنس لا يجتمعان لنفس السبب، لأن الحجاب رمز الأدب و"الجنس" قلة أدب!

الحقيقة إن الكتابة عن الجنس ليست "قلة أدب" (الكتابة الجنسية نقاش آخر). الكتابة عن الجنس كالكتابة عن باقي الأفكار. والأفكار ليست "قلة أدب".

ما لفت نظري في تعليقات الفريقين إن أيًا منهم لم يهتم بالأفكار قدر إهتمامه بالصورة. وأن تعليقاتهم في الأغلب لم تكن لتختلف لو كانت صاحبة الصورة غير محجبة.

ستدور تعليقات المحافظين في نفس سياق "الشغل"، وربما تختلف تعليقات "مدعي التفتح" وتذهب لمدح الرأس الجميل الذي يحمل أفكارًا جميلة. فكلاهما (المحافظ ومدعي التفتح) يريا أن النساء رياحين خُلقن للشم. لا يهم ما يحمله الرأس من أفكار بقدر ما يهم شكل هذا الرأس.

كانت الكتابة بالإنجليزية تحميني "منهم" ولكن الخروج من منطقة الأمان منحني مئة فرصة للدهشة.

أتطلع للمزيد من الدهشة مع دوت مصر، ومئات من المقالات والنقاط الفارقة.

كل عام ودوت مصر أكثر نجاحًا .. كل عام وكل نقطة تفرق.

لا تنسوا عبدالله كمال من صالح دعائكم.