الرجال من المريخ والنساء من الزهرة، هكذا فسر "جون جراي" في كتابه جوهر مشكلات الرجال والنساء في العلاقات. كان تفسيره وقت طرح الكتاب كنورٍ متسلل في غرفة مُظلمة، انتشر النور وحقق الكتاب مبيعات تتجاوز الخمسين مليون نسخة. وسادت الفكرة المطروحة في الكتاب الثقافة العامة. واحتل الكتاب مكانة الكتاب المقدس في تفسير العلاقات.

ولكن على مدار الثلاثة والعشرين عامًا منذ صدور الكتاب ظهرت الكثير من الأفكار المعارضة لطرح "جراي". ففكرة "جراي" البديهية كانت ترسخ لفكرة "قديمة"(وربما "أزلية") أن "الرجل رجل والست ست". كما بنى جراي تحليله وحلوله على مبدأ أن كل البشر سواسية وكل العلاقات سواسية وكل المشاعر سواسية، وهو مبدأ يثير تحفظ الكثيرين، ويراه البعض تسطيحا مخلا يَغفل تفرد الفرد وأصالة التجربة حتى وإن بدت متشابهة.

الاعتراض والانتقاد لكتاب "جراي" لا ينفي أثره. ففكرة "جراي" عن اختلاف لغات الرجال والناس ومنظورهم للعالم كأساس لمشكلات العلاقات أصبحت جزءا من الثقافة العالمية، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا.

نظرتك لطرح جراي ستختلف باختلاف خبراتك لكن بكل تأكيد طرح جراي قد يساعدنا في فهم موقف كالتالي:
هي: "إنت بطلت تحبني ليه؟"
هو: "أنا قلتلك نخرج وإنتي قلتي مش فاضية، وبعدين إنتي عارفة إن عندي مشكلة في الشغل".
هي: "يعني بطلت تحبني علشان مشغول؟"
هو: "أنا ماعنديش طاقة، أنا محتاج أركز في شغلي. مش فاضي أحب".
*صمت*

طرفا الحوار السابق في علاقة مستقرة، لكنهما يمران بمشكلة ما. "هي" تشعر بالوحدة، والتجاهل، والضغط. "هي" تشعر بقلق تجاه العلاقة، فقررت أن تتواصل مع شريكها من أجل علاج هذا القلق. كان سؤالها مباشرًا، ولهذا السؤال المباشر إجابة واحدة صحيحة. ولكنها لم تحصل عليها.

جاءت إجابة السؤال من "هو" مخيبة للآمال. دافع "هو" عن نفسه وبرر انشغاله وتصرفاته في حين أن كل ما أرادته "هي" من السؤال أن تسمع تأكيدًا على حبه. كانت إجابة السؤال الصحيحة "أنا لم أتوقف عن حبك"، لكن "هو" لم ير من السؤال سوى كلمة "ليه".

تمر علاقة "هو" و"هي" بأزمة العلاقات الطويلة المستقرة. حين يشتكي الطرفان التغيير الذي حدث للطرف الآخر، وتزيد الشكاوى من عدم فهم الشريك أو صعوبة التواصل معه. فتتهم النساء عادة الرجال بأنهم أصبحوا كائنات أنانية، ويتهم الرجال النساء بأنهن كائنات مهملة.

تنتج أزمة العلاقات الطويلة المستقرة من الشعور بالأمان. أينعم! حين توفر العلاقة الأمان المنشود تبدأ المشكلة. تتميز البدايات بسيطرة الفضول والتشكك. فيصبح الإنصات وقوة الملاحظة ضروريين لتقييم الشريك وليس فقط دلائل اهتمام. في البدايات يسود الصبر، وحسن الظن، والتماس الأعذار.

في البدايات يشحذ كل طرف كل طاقته الذهنية والعاطفية ويستثمرها في العلاقة للوصول بها لمرحلة الأمان. وما إنْ تستقر العلاقة حتى تنحسر صفات البدايات، يقل الإنصات وتنعدم الملاحظة وتختلف حدود الصبر باختلاف الموضوع، ويصبح سوء الظن من حسن الفطن بعد أن كان بعضه إثم.

تستقر العلاقة فيضمن "هو" أن "هي" لن تذهب بعيدًا وتطمئن "هي" إلى وجوده المستمر. تنشأ الخلافات فيتم التعامل معها من منظور الاستقرار لا منظور التشكك. يصبح الهدف هو العبور من الأزمة وليس البحث عن مسببات الأزمة وتقييمها وحلها.

يصبح الصمت هو الحل الأمثل لتجاوز مشكلات اختلاف اللغة بين الآتي من المريخ والآتية من الزهرة. بعد الصمت يأتي التقوقع، وبدلًا من أن يتشاركا الأفراح والأتراح سيميل كل منهما للانعزال.

سيكتبان بالصمت والتقوقع كلمة النهاية لما بدا أنه سيستمر للأبد. سيشكوان بعدها من الغدر وتقلب الزمان والخذلان. ستقول إنه كان أنانيًا لم يحب غير نفسه، وسيقول بأنها لم تقدره حق قدره. لكن لن يذكر أيهما في شكواه كيف مات الحب، لأن كلاهما على يقين بأنه لم يمت.