يمرون سريعا بجانبك، لا تكاد ترى وجوههم، لكن قد ترى حمولتهم بوضوح، يتراقصون بالدراجات التي يقودونها بيدٍ واحدة بين السيارات، ويحملون بالأخرى أقفاصا عليها العشرات من أرغفة الخبز، فهم أصحاب مهارات خاصة، كأنهم يعملون في سيرك.

من يعمل بهذه المهنة كأنه يخرج في "فسحة" إجبارية كل يوم، يهونون الطريق على أنفسهم بسماع الموسيقي أو الأغاني الشعبية، باستخدام سماعات الهاتف المحمول، التي يضعونها بأذانهم طول الوقت، قد تعتقد أنهم سعداء بسبب ابتسامتهم المتكررة، لكنهم يواجهون من المشاكل ما يوازي الحمولات الثقيلة فوق رؤوسهم، مرددين في تواضع "كله على الله".

عند اقترابنا منهم للتعرف على مهنتهم، رفض بعضهم الحديث، ووصل الأمر إلى أن أحد أصحاب الفرن طلب أن يتحدث لنا نيابة عنهم، خوفا مما قد يقولونه عن مهنة "طيار العيش"، بينما قال لنا أحدهم في يأس: "هو يعني كلامنا معكم هيغير أحوالنا؟!".

يروي لنا يوسف السيد (17 عاما) أنه يعمل بالمهنة منذ 11 عامًا بالعديد من أفران الخبز البلدي لا يتذكر عددها، وأنه يعمل مؤخرا بأحد الأفران بمنطقة الناصرية، يبدأ عمله من السادسة صباحا حتي الثانية عشرة ليلا، يوزع خلالها الخبز على عدة مناطق، منها العتبة، والسيدة زينب، وأبو الريش، وباب اللوق، ووسط البلد.

وعن مهارات "طيار العيش"، أوضح محمد أنه تعلمها على يد كبار المهنة منذ سنوات طويلة، وعلى مراحل، بداية من قيادة الدراجة بدون أحمال، ثم بأقفاص فارغة، إلى أن وصل إلى قيادتها بيدٍ واحدة، واليد الأخرى تحمل أقفاص الخبز لتوزيعها.

وأضاف أنه يتعرض لمخاطر متعددة خلال عمله، منها الاصطدام أحيانا ببعض السيارات، وتابع "إحنا بنشتغل الشغلانه دي عشان نعرف نعيش".

أما عبدالرحمن (17 سنة) فذكر لنا أن مهارات المهنة، تشمل قيادة الدراجة بشكل سريع، والسير بها أحيانا عكس الاتجاه بين السيارات، وأنه تعلم هذه المهارة من أحد أصدقائه الذي لازمه فترة ما حتى أتقن المهنة.

وأضاف عبدالرحمن: "ساعات فرامل العجلة تتقطع، والشيلة تقع"، لكنه أكد في لهجة يملأها الآسى "مش هغير المهنة، عشان خلاص بقت شغلانتنا اللي ملناش غيرها".

"أتربيت عليها".. هكذا بدأ محمد (22 عاما) حديثه إلينا عن مهنته، مشيرا إلى أنه أتقنها ليس حبا فيها، لكن لأنه لم يجد سواها، مؤكدا أنه يعمل 12 ساعة يوميا، يوزع خلالها الخبز على 7 مناطق، منها باب الشعرية، والدرب الأحمر، والتحرير.

وعن مهاراته يقول محمد "في البداية تعلمت على عجلة بدون خبز، بعدها حملت أقفاص فاضية، وعندما أتقنت العمل بدأت في السير بحمولة كبيرة".

وأشار إلى أن المخاطر التي يتعرض لها في الشارع تشمل اصطدامه بالسيارات أثناء سيره عكس الاتجاه، ما يؤدي لسقوط الخبز على الأرض، وأنه في حال تعرض للإصابة فإنه يتكفل بنفسه، ولا يحمل صاحب العمل مليما، وردد في ألم "كل واحد بيشيل نفسه وبس".

وأوضح أن المهنة تتطلب الإنفاق الكثير طوال اليوم على الطعام والشراب، فهي تحتاج من كل العاملين بها بذل مجهود كبير، لا بد من تعويضة بالغذاء الجيد، على حد وصفه.

وعن احتمالية تركه المهنة، يقول محمد، وهو يضرب العجلة بيده في غضب: " أغيرها طبعا، لو وجدت شغلانة تانية أفضل".

عم حسن يعمل "طيار عيش" منذ 28 عاما، في الأربعين من عمره، يعمل بفرن عيش بلدي بمنطقة سعد زغلول، يصف مهنته قائلا "تبدأ فترة عملي من الثانية عشرة ليلا حتي الثالثة عصرا، تعلمتها في فترة زمنية من 5 إلى 6 شهور، وحاليا أوزع العيش بالعديد من مناطق التوفيقية، والقصر العيني، والمنيرة، والسيدة زينب"، وعن مخاطر مهنته، قال عم حسن "ربنا يتولانا".