منذ فترة انتشر على شبكات التواصل الاجتماعي مقطع من أحد البرامج الدينية. كانت المتصلة تسأل الدكتور مقدم البرنامج النصيحة (الفتوى). السيدة صاحبة السؤال ضبطت زوجها متلبسًا بالخيانة، وكانت تستشير الدكتور "مقدم البرنامج" في الطلاق من زوجها.

لم يكن السؤال هو سبب إثارة الضجّة على شبكات التواصل الاجتماعي وقتها. الإجابة "العجيبة" كانت السبب. نصح الدكتور مقدم البرنامج صاحبة السؤال بعدم طلب الطلاق. وقال إنها إن كانت تظن أن في طلاقها من "أبو أولادها" والزواج من غيره حلًا فهي واهمة، لأن "السوق مش حلو". وبالغ في نصيحته وقال إن عليها أن تطلب من زوجها الاستغفار والاغتسال إذا ضبطته مع أخرى في لحاف واحد.

وكانت هذه النصيحة، التي أصبحت عنوانًا للفيديو وسببًا في انتشاره، هي محل النقاش. فكيف "لشيخ" أن يُعقب على واقعة "زنا" بمثل هذا التعقيب. وكيف لشخص، أن يطلب من أي شخص رجلًا كان أو امرأة أن يغفر إهانة بحجم الخيانة! فالخيانة إهانة مركبة. الخيانة كذب، الخيانة طرف يعامل طرف على إنه "غبي"، الخيانة كسر لجسور الثقة، الخيانة فعل بمعنى التحقير.

أن يخونك شريكك هو أن تجد دليلًا دامغًا على إنك شريك غير كفء، وربما إنسان غير جدير لا بالحب ولا الاحترام. فكيف يمكن أن يُطلب من أي شخص أن يتسامح مع مثل هذه المشاعر؟

والإجابة جاءت على لسان الدكتور مقدم البرنامج في أحد مقاطع الفيديو، "ربي ولادك".

إذا تجاوزنا عن صفة المقدم وطبيعة البرنامج ورغبة السائلة في "فتوى شرعية" سنجد أننا أمام مشكلة اجتماعية مكررة. امرأة وزوج خائن وقرار، هل تتجاوز عن الإهانة من أجل "الأسرة" و"تربية العيال"؟ أم تثأر لكرامتها الجريحة وتسعى للحصول على الطلاق ومن ثم كل تبعاته (المتوقعة).

والنصيحة التي يقدمها "الحكماء" في المعتاد تُشبه ما طلبه الدكتور مقدم البرنامج. سينصح كل حكيم (وحكيمة) أن تتجاوز الزوجة عن الواقعة وتسامح أو تغفر، المهم أن "تعيش" و"تربي العيال".

والنصيحة "الحكيمة" تغلب مبدأ تضحية الفرد من أجل الجماعة. ومن أجل إقناع الفرد بالتضحية يتم تذكيرها بأهمية دور الأب في حياة الأبناء حتى وإن كان "خيال مآتة"، كما سيتم تذكير الفرد بفكرة واسعة الانتشار وتعامل معاملة الحقائق في هذا الجزء من العالم، "كل الرجالة كده".

لم يتوقف أبدًا أحد هؤلاء الحكماء، ولا الدكتور مقدم البرنامج، أمام الأسباب التي جعلت فكرة مثل "كل الرجالة كدا" أو "السوق مش حلو" واسعة الانتشار وتعامل معاملة الحقائق.

وإن توقف أحدهم محاولًا تحليل ظاهرة "السوق مش حلو" سيلوم الأفلام الخليعة مثلًا، وقد يلوم النساء المتبرجات، سيأتي "الفيديو كليب" كسبب لانتشار الخيانة الزوجية. وقد يروج أحدهم أفكار قديمة غير حقيقية عن رغبة الرجال الفطرية في الجنس وعزوف النساء عنه كسبب.

لن يلاحظ أي من الحكماء أن نصيحته "الحكيمة" قد تكون السبب الذي أنتج هذه النوعية من "الرجالة اللي كلهم كده". لن تتوقف أي من الحكيمات اللائي يرفعن شعار "المهم بيرجعلك في الآخر"، أنه ربما ما كان ليذهب في الأساس لو علم يقينًا أنه لا مجال للعودة.

لم يخطر ببال أحدهم أثر أن ينشأ الأبناء في مثل تلك البيئة، التي تشجع مغفرة الذنوب للرجال ماداموا "آباء" وتعاقب النساء بالتضحية الجبرية لأنهن" أمهات".

لم يشك أي من الحكماء في أن "الحكمة" ربما هي السبب في أن "السوق مش حلو".