عزيزي ..

استيقظت على حلم لا أتذكره، في الأغلب كان كابوسًا. مددت يدي للوصول للتليفون لأحادثك، لكن كعادتي مؤخرًا لم أتذكر أن أحافظ على بطاريته مشحونة. ذكرتني رغبتي الملحة لمحادثتك والندم على تجاهل شحن البطارية بالسبب الذي جعلني أتجاهل الحفاظ عليها مشحونة.

لم تعد يا عزيزي علي بعد كبسة زر كما كنت. لا يمكنني محادثتك متى أردت. لم يعد للهاتف ولا بطاريته أهمية تذكر. فأنت لم تعد متاحًا. أو للدقة اكتشفت أنك لم تكن متاحًا كما تخيّلت.

تجاوزت الرغبة في المحادثة الهاتفية، وقررت أن أكتب لك. توفر الرسائل "براحا" مريحا، فأكتب متى أردت وتقرأ متى استطعت. تحل الرسائل مشكلة الإتاحة أو هكذا أتخيل.

قررت أن أكتب لك عن الكابوس وعن الخوف ودوائر الأمان التخيلية. علمتني "مشكلة الإتاحة" القليل من الدروس. علمتني أن الخوف والأمان وجهان لعملة واحدة هي الثقة. الثقة بالنفس أحيانًا، والثقة بالإله أحيانًا.

وجدت في كونك متاحًا أمانًا. سكّن وجودك بعضًا من ألم القلق. سكّن وجودك الألم ولكن لم يعالجه، ظل القلق يتبعني كظلي. قبلك كانت تقلقني الحياة، كان التنفس تحديا حقيقيا. فلما أتيت لم يعد يشغلني النفس، لم يعد لسخافات الحياة مكان. فقط كان يقلقني احتمال غيابك.

كان احتمال غيابك حاضرًا بثقة في كل لحظة، لا لشيء تفعله، بل لأن تلك طبائع الأشياء. تعلمنا الحياة مبكرَا جدًا أن لا شيء يدوم. حتى الحياة نفسها لا تدوم.

أردت أن أكتب لك عن الجمال وديمومته رغم سُنة الزمن في التغيير. خطر ببالي جسدي وما سيفعله به الزمن. تذكرت أنك لم تتعرف على هذا الجسد. والغريب أن الفكرة لم تتطور لتخيل هذا التعارف. أخذتني أفكاري لطقس الغُسل. وكيف أنك تفقد بموتك القدرة على اتخاذ قرارات عشت حياتك كلها متخيلًا كامل سيطرتك عليها.

بعد أن تموت، يأتي أغراب، مهما كانت درجة قرابتهم، ليجردوك من ملابسك. ويتعاملوا مع جسدك العاري الذي كانت حياتك تتمحور بصورة أو أخرى حول ستره. لا يستأذنك أحد في أي شيء. ينظرون لجسدك وقد يجد بعضهم فيما فعله بك الزمن "عظة"، أو يجد في سبب وفاتك درسًا. وربما ألهمت أحدهم لكتابة واحدًا من تلك الإيميلات الدعوية التي تدور حول ميت وجدوا وجهه مسودًا لأنه من تاركي الصلاة. أو ربما تخرج إحداهن لتقسم أن ابتسامتك من دلائل حسن خاتمتك.

لن يهتم أي من "المغسلين" بالأسباب العلمية التي أدت لتغير لون بشرتك أو ظهور ما يشبه الابتسامة على وجهك. فقط سيوقظ موتك مخاوفهم وسيبحث كلٌ بطريقته عن مسكن لخوفه. سيخلق كلٌ منهم دوائره المتخيلة للأمان.

ستموتين وحيدة .. هكذا يحذرونني.

كنت أخشى الوحدة قبلك. لكنني لا أخشى الموت وحيدة، فكلنا سنموت وحيدين. الموت، يا عزيزي، سيارة تتسع لشخص واحد. كل من حولك ليسوا إلا متفرجين.

لن يمنع عنك المتفرجون الموت، ولن يساعدوك بشيء. سيحرص بالتأكيد أحدهم على "تلقينك" وسيحرص آخر على أن يستلهم عظة من لحظاتك الأخيرة وتجاوبك مع ملقنك. ستموت وحيدًا سواء تجاوبت مع التلقين أو "تخبطك الشيطان".

ليس في الوحدة عند الموت ما يخيف، لكن الحياة مع الوحدة تثير الكثير من المخاوف..

كانت الوحدة واحدة من مخاوفي قبل لقائك. لكن وجودك لم ينهها كما ظننت. لم أشعر بالوحدة في وجودك ولكنني كنت أخشاها. لأن غيابك كما ذكرت كان حاضرًا بثقة في كل لحظة. لا لقلة ثقة بالنفس ولا لقلة ثقة بالإله. ولكن لأن تلك طبائع الأشياء.

ينبع الإحساس بالأمان من الثقة بالنفس وبالإله، ومن نفس الثقة ينبع الخوف. تذكرك هزائمك السابقة بأن نفسك قد تخونك أحيانًا وعليك الحذر. ويذكرك الإله بنعمه وابتلائه بأن عليك ترشيد استخدام الأمل.

والأمل يا عزيزي هو سبب استمرار الحياة. يعيش الناس بالأمل وفي أغلب الأحيان يعيشون على أمل في الأمل. ولذلك الأمل هو واحد من أكثر الأشياء إيلامًا في الحياة. تحلم وتعمل في دأب وتأمل، فتصيب مرة ويصيبك اليأس مرات.

سكّن وجودك كل الآلام ولم يعد هناك إلا ألم الأمل.. فلما ذهبت ذهب.