يُقال من ضمن ما يُقال عن أحداث يناير 2011، إنها ثورة ولدت على شبكات التواصل الاجتماعي.

يُشكك البعض في صدق المقولة قدر تشكيكه في قوة تأثير شبكات التواصل الاجتماعي. إلا إنه لا يمكن إنكار أن لشبكات التواصل الاجتماعي تأثيرا ما. فشبكات التواصل الاجتماعي مثل غرفة كبيرة تتردد فيها الأفكار. تلك الأفكار تؤثر بصورة أو بأخرى في سكان الغرفة. تصبح بعض تلك الأفكار حقائق تُبني عليها المزيد من الأفكار التي تتحول بدورها لحقائق .. إلخ

ومن ضمن تلك الأفكار التي أوشكت أن تتحول لحقائق فكرة أن "النساء لا يرقصن لأزواجهن".

تبدأ قصة ملاحظتي للفكرة بمقال يتساءل لماذا لا ترقص إلا الزوجة الثانية. ثم تطورت الفكرة لتتخذ شكل الحقيقة في نقاشات جانبية بين رجال ونساء، يحذرون فيها المقبلين على الزواج بأن حقيقة الزواج لا تشبه بأي حال أحلامه.

وحرص الكثير منهم على التأكيد صراحة، أن النساء لا يرتدين ما يظن الرجال أنهن سيرتدينه في بيوتهن وبالتأكيد لا يرقصن! ونبعت من تلك النقاشات نقاشات وأفكار، بعضها تحول بالفعل في أذهان البعض لحقائق يبنون عليها قرارات.

فتوجهتُ بالسؤال لعينة عشوائية من الرجال والنساء، عينة قد تكون غير ممثلة إحصائيًا، ولكنّها كافية للوصول لإجابة مُرضية.

كان السؤال: لماذا لا ترقص النساء لأزواجهن؟ وجاءت إجابة الأغلبية "مين قال إنهم مش بيرقصوا!"

فعلى عكس ما تؤمن به فقاعة شبكات التواصل الاجتماعي هناك الكثير من النساء اللائي يرقصن لأزواجهن ولا يجدن أي وجاهة في السؤال.

ورغم أن إجابة الأغلبية جاءت لتثبت خطأ الفرضية المطروحة، إلا أن إجابة الأقلية كانت لا يُمكن التغاضي عنها. حال تلك الأقلية هو حال الكثير من الأفكار المطروحة على شبكات التواصل الاجتماعي كحقائق، لا يمكن تجاهلها لأنها قد تتحول في لحظة لأغلبية مؤثرة.

لماذا إذن لا يرقصن؟

لا ترقص النساء لأزواجهن، أو لا يفعلن الكثير من "الأحلام"، لأربعة أسباب أساسية:

أولاً: الإرهاق

يبدأ يوم الزوجة في المعتاد مع شروق الشمس، تقفز من وظيفة لوظيفة. وظيفتها كأم، وظيفتها كمدبرة منزل، وظيفتها كمواطنة منتجة، ووظيفتها كزوجة. بعد القيام بكل تلك الوظائف ربما لن يتبقى الكثير من الطاقة للقيام بوظيفة الراقصة.

ثانيًا: الإحباط

إذا كنت من سكان هذا الجزء من العالم، فربما وصلك ما جاء في الأثر- باب التعامل مع النساء- "اكسر للبنت ضلع يطلعلها أربعة وعشرين". والمقصود بالضلع هنا الإرادة.

بقصد في الأغلب، وبدون قصد فيما ندر، يُكسِّر الرجال مجاديف النساء. من باب إحكام السيطرة في الأغلب، ومن باب الدفاع عن نقاط ضعفهم فيما ندر. وفي الحالتين تنتهي المرأة لحالة من الإحباط. لماذا تحقق الحلم إذا كان فعلها لن يقابل بالتقدير؟!

ثالثًا: الخجل

ربما تجد المرأة في الفعل بعض السفاهة فلا تفعله. وربما تخجل من صورتها التي تبعد كثيرًا عن صورتها المثالية التي تتخيلها. وربما تخجل من قدراتها المتواضعة على الرقص (أو غيره).

رابعًا: أخرى

وتأتي تحت الأسباب الأخرى كل تلك الأسباب العميقة التي يذكرها مجتمع الفراغ الإلكتروني في تحليله "للظاهرة". مثل الرواسب الاجتماعية وربط بعض الأفعال كالرقص وغيره بالانحراف. أو مشاكل الـ self esteem . والتربية المتشددة ... إلخ

في المرة المقبلة حين تُذكر أمامك "حقيقة" عدم رقص النساء لأزواجهن في أي من النقاشات على شبكات التواصل الاجتماعي، رجاءً انفها بشدة. فالنساء يرقصن، ولا يجدن غضاضة في تحقيق أحلامهن وأحلام أزواجهن عن الزواج. وإن لم يفعلن فأسبابهن في الأغلب ليس لها علاقة بالمجتمع ولا النظرة الذكورية ولا التعنت الديني، أسبابهن بسيطة نابعة من العلاقة ذاتها وطبيعة الحياة، ويمكن تجاوزها بالحوار وإدارة الوقت و"كلمتين حلوين".

أما عزيزاتي محبات "الكلاكيع" كلمتين وبس، "ارقصيله يا زينب! وسيبيه يمسكها يا فوزية!"