في حوار مع شبكة "سكاي نيوز" أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن القيادة الحالية لن تترك مصر فريسة للحرب الأهلية وستحميها وتحافظ عليها مهما كانت الظروف.

ربما يجد البعض التصريح مطمئنًا، خاصة وأن النزاع الدائر في مصر منذ يناير 2011 لم يصل لنقطة "الحرب الأهلية". حتى الآن.

لكن ماذا لو كان التصريح في إطار التحذير؟

هل مصر في نطاق خطر الحرب الأهلية؟

الاهتمام بدراسة الحرب الأهلية حديث نسبيًا. حيث كان عالم ما قبل انتهاء الحرب الباردة مشغولًا بدراسة ما تقوم به القوى العظمى. لكن بسقوط عالم المعسكرين بدأت الحروب الأهلية تأخذ الاهتمام، خاصة مع تحول شكل النزاعات من نزاعات بين الدول لنزاعات داخل الدول مما جعل البعض يطلقون عليها مصطلح "الحروب الجديدة".

لماذا تصبح بعض الدول أكثر عرضة من غيرها لخطر الحروب الأهلية؟
وللإجابة عن السؤال قام بول كولير Paul Collier وأنكَ هوفلر Anke Hoeffler بدراسة مجموعة بيانات من حروب أهلية مختلفة دارت في الفترة من 1960 لـ1999 وخرجا على العالم بالنموذج الاقتصادي الأكثر شهرة والأكثر استخدامًا لتفسير والتنبؤ بالحرب الأهلية The Collier- Hoeffler Model.

نتج عن دراسة هذه البيانات الوصول لأن هناك ستة عوامل تؤثر في فرص تحول النزاع لحرب أهلية.

العامل الأول: توافر مصادر تمويل للحرب
الدول التي تُمثل صادرات المواد الأولية (البترول والماس .. إلخ) نسبة كبيرة من دخلها القومي أكثر عرضةً لتحول النزاعات بها لحروب أهلية.تمثل تلك السلع مصدر جيد لتمويل الحرب، كما تمثل سببا جيدا لاستمرار الحرب من أجل السيطرة عليها.

لا تتوقف مصادر تمويل الحروب على الموارد الطبيعية فحسب، بعض الحروب تمول بالتحويلات الخارجية من الأطراف ذات الصلة بالنزاع.

العامل الثاني: تكلفة الفرصة البديلة للحرب
وجد النموذج أن نصيب المواطن من الدخل القومي ونسبة الذكور المتعلمين ونسبة النمو الاقتصادي كلها عوامل مؤثرة في فرص تحول النزاعات لحروب أهلية.

ففي حال انخفاض نصيب الفرد من الدخل القومي وانهيار معدلات النمو يصبح تحول النزاعات لنزاعات مسلحة أكثر سهولة مع انخفاض تكلفة الفرصة البديلة.

في عبارة وجيزة، يخشى الناس على مكاسبهم وعندما يصبح ليس لديهم ما يخسروه يصبح العنف بديلًا مربحًا.

العامل الثالث: الأفضلية العسكرية
اتساع رقعة الدولة مع وجود تجمعات سكانية متناثرة تزيد من فرص تحول النزاعات لنزاعات مسلحة مع ضعف السيطرة المركزية. كما تزيد بعض العوامل الطبوغرافية مثل وجود جبال أو غابات على توافر بيئة ملائمة لتسهيل نشاط الميليشيات.

العامل الرابع: الضغينة
ورغم أن النموذج وجد أن الضغينة كسبب غير مؤثر إحصائيًا، إلا إن الانقسام الإثني عامل لا يجب إغفاله. فالدول التي تسيطر أغلبية إثنية عليها وتشعر فيها الأقليات بالانعزال أكثر عرضة لتحول النزاعات بها لنزعات مسلحة.

العامل الخامس: السكان
وجد من دراسة البيانات أن فرص الحرب الأهلية تزيد طرديًا مع زيادة السكان. ويمكن تفسير هذه النتيجة بأنها لزيادة تأثير عامل الضغينة مع زيادة العدد. أو بسبب زيادة انخفاض تكلفة الفرصة البديلة مع الزيادة السكانية.

العامل السادس: الوقت
كلما زادت الفترة الزمنية منذ آخر نزاع مسلح قلت فرصة إعادة اشتعاله.

المال إذن - طبقًا لكولير وهوفلر- هو الدافع وليس الضغينة. المال إذن هو الهدف وليس "النصر الأيديولوجي". المال إذن هو قلب المشكلة المصرية، وبالمال – النمو الاقتصادي المستقر - إذن يمكن الخروج من دائرة الخطر لدائرة الأمان.

ملاحظة ختامية:
لا تتوقف النظريات المفسرة للحروب الأهلية على النماذج الاقتصادية كالنموذج الوارد في المقال. هناك بعض العوامل السياسية الأخرى التي يجب أخذها في الاعتبار مع العوامل الاقتصادية، مثل مفهوم الدولة الضعيفة وعلاقته بتحول النزاعات الداخلية لنزاعات مسلحة. مثل ما وصل إليه فيرون ولاتين Fearon & laitin من أن الفقر والزيادة السكانية وعدم الاستقرار من العوامل التي تساهم في إضعاف الدولة. أو ما وصل إليه مانزفيلد وسنايدر Mansfield & Snyder بأن الدول التي تمر بمرحلة التحول الديموقراطي أكثر عرضة لضعف العمل بمؤسساتها. أو ما شرحه ك. ج. هولستي K.J. Holsti عن الشرعية الرأسية والأفقية.
فكلها عوامل تساعد مع العوامل الاقتصادية على خروجنا من المياه الآمنة لمنطقة الأعاصير.