في فبراير 2011 وإبّان "أحداث يناير" قامت الأستاذة منى الشاذلي باستضافة الدكتور بطرس بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة سابقًا للتعقيب على الأحداث.

في جزء طويل من الحوار، حاول الدكتور غالي شرح مفهوم النزاع والوساطة من أجل حله. واقترح أن تقوم الأمم المتحدة (مثلًا) بالتوسط بين الأطراف المتنازعة في مصر. وتطرق الحوار لنقطة أنه "نزاع غير مسلح" وكان رد الدكتور غالي مهمًا وملهمًا لولا أن اللحظة لم تكن مناسبة للكثيرين للتوقف عند هذا التعليق


ذكر الدكتور غالي أن "هناك ضحايا" رغم ما تقوله المحاورة بأن النزاع غير مسلح. وأنه لا يوجد ضمانات بعدم تحول هذا النزاع "المدني" "غير المسلح" لنزاع مسلح.

ومنذ هذا الحوار أو قبله بقليل، مع أحداث العنف المعروفة إعلاميًا بموقعة الجمل، بدأ شبح "الحرب الأهلية" يلوح في الأذهان. ابتداءً بأحداث العنف التالية لأحداث يناير 2011 (الجمل، ماسبيرو، العباسية وغيرهم) وصولًا لهجمات الجماعات الإسلامية المسلحة في سيناء (وربما موجة القنابل الهيكلية التي تبدو منظمة ومنسقة).

يعقب أحدهم على المشهد قائلًا، إنها الحرب (الأهلية) إذن، فيندفع خلفه من يؤيد ومن يعارض. التأييد والمعارضة يأتي في إطار الانفعال العاطفي بالأحداث. ولأن العواطف والسياسة يفترض أنهما لا يتوافقان، فيجب قبل الحكم بيقين على الأمر الرجوع إلى بعض التعريفات.

ما هي الحرب الأهلية؟
بصفة عامة يمكن تعريف الحرب الأهلية بأنها نزاع مسلح داخل حدود الدولة الواحدة. هذا التعريف العام فضاض أكثر مما ينبغي لكي نقوم بحكم سليم. فهو لا يفرق بين ما يمكن اعتباره حربا أهلية بالفعل والانقلابات العسكرية مثلًا، أو التمرد أو المذابح العرقية أو أحداث الشغب.

في تعريفات أكثر تخصصًا، نجد أن الحرب الأهلية هي أي نزاع مسلح بين أطراف داخل الدولة الواحدة يهدف إلى السيطرة على الحكم المركزي أو السيطرة على حكم جزئي (إقليم مثلًا) أو تغيير سياسات الحكومة. لا تكون الحرب الأهلية حربًا أهلية لو لم تكن "الحكومة" طرفًا فيها بقواتها النظامية. ولا تكون الحرب الأهلية حربًا أهلية دون أن يكون في الطرف المواجه ممثل "للمجتمع المدني" civil society ومنه اشتق المصطلح الإنجليزي Civil War.

ليس هذا فحسب بل يُشترط للنزاع المسلح لاعتباره حربًا أهلية أن يلجأ أطرافه بصورة دائمة للسلاح، وأن يزيد عدد ضحاياه عن الألف شخص سنويًا وأن يكون للفئات المتنازعة تأييدًا سياسيًا واسعًا.

السؤال الآن: هل تجد في التعريف السابق ما ينطبق على الحالة المصرية من يناير 2011 وحتى فبراير 2015 ؟

الإجابة لا!
حتى الحوادث الإرهابية في سيناء، ولو افترضنا أنها ميليشيا تسعى للسيطرة على حكم الإقليم، فطبقًا للتعريف هي ليست أكثر من تمرد Insurgency. وهذا الافتراض سيكون من باب تضخيم الأمور وتهدئة خواطر مهوسي "الحرب الأهلية". لأن حتى تعريف ال Insurgency مازال بعيدًا عن حال أحداث سيناء.

هل هذا يعني أن مصر في مأمن من شبح الحرب الأهلية؟
الإجابة على هذا السؤال تستدعي النظر في نظريات تفسير والتنبؤ بالحرب الأهلية. المال والضغينة وأشياء أخرى في المقال القادم إن شاء الله.