القاهرة 19°
دوت مصر

يوم الطين!

يُحكى أن ملكًا أحب جارية وتزوجها. الملك هو "المعتمد" حاكم أشبيلية والجارية هي "إعتماد الرميكية". كان المعتمد يهيم حبًا بإعتماد وكان أن اشتهت يومًا أن تسير على الطين. فأمر بأن يؤتى بالمسك والعنبر وغيره من الطيب وأن يُعجن في فناء القصر حتى يصبح ما يشبه الطين لتخوض فيه حبيبته إعتماد.

ويُحكى أنها غاضبته يومًا فقالت: "لم أر منك الخير قط". فكان رده "ولا يوم الطين؟!" فصارت مثلًا.

في هذا الجزء من العالم هناك قناعة عامة بين الرجال أن النساء كلهن اعتماد الرميكية. مهما قدمت لها من خير سيأتي عليها يومًا لتجحده. حتى أن الحديث الشريف يحذر النساء من هذا الجحود لأنه السبب في إنهن أكثر أهل النار: " وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِكُفْرِهِنَّ قِيلَ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ".

وبناء على هذه القناعة يعامل الكثير من الرجال نساءهن، ويتفرغ الكثير من "الحكماء" لتذكير النساء بالنار التي تنتظرهن جزاء هذا الجحود. القليل جدًا من سكان هذا الجزء من العالم حاول البحث عن الأسباب التي تدفع النساء لنسيان "الإحسان" وتذكر السلبيات فقط.
وجدت باربرا فردريكسون Barbara Fredrickson عالمة النفس الأمريكية المتخصصة في علم النفس الإيجابي. أن الشخص يحتاج ثلاث تجارب إيجابية مقابل كل تجربة سلبية للنمو. فرقت فردريكسون بين الأشخاص "النامين" Flourishing والأشخاص "الذابلين" Languishing . الأشخاص النامين هم الأكثر قدرة على التصرفات المرنة والوصول لأهدافهم. نسبة ال 3:1 معروفة بالنسبة الإيجابية الحرجة Critical Positivity Ratio.

أما جون جوتمان John Gottman، وهو عالم نفس أمريكي آخر معروف بأعماله في مجال الاستقرار الزوجي وتحليل العلاقات، وجد أن الزواج الناجح يحتاج إلى خمسة تفاعلات إيجابية بين الشريكين في مقابل كل تفاعل سلبي. واُشتهر عنه أنه يستطيع توقع ما إذا كان أي زوجين سيواجهان خطر الطلاق في خلال عشر سنوات من تحليل تفاعلاتهم السلبية والإيجابية في محادثة مدتها 15 دقيقة.

وفي تجربة منشورة عام 2001 بعنوان السيئ أقوى من الجيد Bad is stronger than good، وجد الباحثون أن خسارتك لمبلغ 50$ أقوى تأثيرًا عليك من كسبك لنفس المبلغ. الإنسان إذن بغض النظر عن نوعه يحتاج للكثير من التجارب الإيجابية لمعادلة تجربة سلبية واحدة. والسبب في ذلك هو المخ ذلك العضو المسؤول عن تسجيل ومعالجة الذكريات.

المخ يعامل التجارب السلبية بصورة أعمق من معاملة التجارب الإيجابية. يسجل المخ التجارب السلبية بتفصيل أكبر في حين لا يهتم بالإيجابيات. لأن الاهتمام بالسلبيات يعني سرعة معالجة الخطر قبل وقوعه مما يعني توفير فرص حياة أكبر للإنسان.

إعتماد – كل إعتماد – لم تجحد يوم الطين. هي فقط تتذكر السلبيات بصورة أوضح من تذكرها للإيجابيات. واللوم كل اللوم يقع على الطريقة التي يعمل بها مخ إعتماد. والحقيقة أن إعتماد ليست وحدها من تذكر السلبيات وتجحد الإيجابيات وتتوارث التحذير من صنف الرجال النمرود الذي لا يملأ عينيه سوى التراب.

فالرجل – كل رجل – لا يذكر أبدًا من قصة إعتماد الرميكية سوى لوم المعتمد. يتناسى اعتذار إعتماد للمعتمد بعد لومه. ويتغافل أن إعتماد لازمت المعتمد حتى بعد خلعه عن ملكه وظلت بجواره حتى وفاتها.

والجاني في هذه الحالة أيضًا هو مخ الرجل الذي لا يذكر لإعتماد – لكل إعتماد – إلا موقفا سلبيا واحدا تتوارى بجانبه الإيجابيات وتستحق من أجله أن تكون من أهل النار!

وللحديث بقية ..

csr