القاهرة 20°
نظرة على الإيجار القديم

نظرة على الإيجار القديم

تراجعت الحكومة والبرلمان عن سريعا عن الإصرار على اتخاذ الإجراءات تجاه تعديلات قانون الإيجار القديم، والذى قد تنتهي بإلغائه تماما أو إلغائه تدريجيا على مراحل كما كان مطروحا، وكانت الدولة محاصرة بين طرفي الموضوع، من جهة أصحاب العقارات يصرخون من تجميد مدخراتهم وميراثهم في عقارات فاخرة بأهم المناطق الحيوية ولكنها لا تدر عليه إلا مئات الجنيهات سنويا، نظرا لتثبيت القيمة الإيجارية منذ ستينيات القرن الماضي، وتتوزع هذه العقارات في كافة الأحياء الراقية والعريقة، وفى المقابل يصرخ المستأجرون من دعوات تحرير العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر، فبعض العقارات التي يصل سعر إيجارها في السوق الحر أكثر من عشرة الآف جنيها شهريا، يسدد المستأجرين إيجارات أقل من عشرون جنيها.

تثبيت الإيجارات وتأبيد العلاقة الإيجارية كان مجحفا في حق الملاك، لأنه يعوقهم عن استغلال عقاراتهم وطرحها فى السوق، وفى نفس الوقت بعض المستأجرين لديهم عقارات بديلة وأكثر من وحدة للسكن ورغم ذلك يتمسكون بوحداتهم بنظام الإيجار القديم لأن أغلبها فى مناطق مميزة وتتسع مساحاتها وتتميز أنماط بنائها، وحتى هذه النقطة يبدو أن المستأجرين فئة انتهازية تستغل قانون عفا عليه الزمن.

لكن للحق، ليس كل المستأجرين من هذه النوعية الانتهازية، فهناك كثير من العجائز الذين لا يملكون إلا المسكن الذي يقيمون فيه، ولم يعد لديهم إلا معاشات هزيلة، بالكاد تكفي حاجاتهم الأساسية، ولا يتحملون تعديل أسعار الإيجارات، مما يعنى أنهم مهددون بالتحول فجأة إلى المشردين بلا مأوى.

ولا شك أن قلب القاهرة النابض اقتصاديا، بالمكاتب والعيادات ومقرات الشركات والمخازن والمحال التجارية، جميعها يرجع تاريخ استئجارها لعقود زمنية بعيدة وبالتالي تخضع غالبيتها لعقود الإيجار طبقا لقانون الإيجار القديم، وخروج أصحاب هذه الأنشطة من أماكنهم يهدد بتوقف نشاطهم، وبالتالي فقدان جميع الوظائف المرتبطة بهذه الأنشطة، وهو عبء اقتصادي لا تستطيع الدولة تحمله الأن.

وبالتالي هناك أبعاد أخرى خطيرة ومهمة لتعديل هذا القانون، سواء اقتصاديا أو اجتماعيا، منها مثلا أن تثبيت قيمة الإيجارات طوال الحقبة الماضية، لم يتوقف عند الوحدات المؤجرة لأغراض السكن فقط، بل حتى بعد التعديلات التي تمت على القيمة الإيجارية للأماكن المؤجرة للأغراض التجارية والإدارية تم تخفيض الزيادة السنوية.

وعلى ذلك فإن بعض النقاشات اقترحت أن تتدخل الدولة لدعم الإيجارات للفئات غير القادرة على تحمل أعباء تحرير الإيجارات، ولكن هل ستدعم الدول إيجارات لأنشطة تجارية وإدارية وخدمية أيضا، هذا أمر لم يكن مطروحا في عهود الاشتراكية، فهل سنتقبله الآن بكل ما يحمل من تناقض مع فكرة السوق الحر الذي تسعى الدولة لتحقيقها، وهل يتحمله الوضع الاقتصادي الذي تمر به جمهورية مصر العربية الآن.

كما أنه بالإضافة إلى كل تلك الأبعاد فإن بعض وحدات الإيجار القديم، لم تكن متجمدة تماما طوال السنوات الماضية، ولكن تم تداول بعضها خارج السياق الرسمي للدولة، من خلال ما عرف باسم "خلو الرجل " وبيع عقود الإيجار الأبدية التي حصل عليها المستأجرين الأصليين، سواء للأنشطة السكنية أو التجارية أو الإدارية والخدمية، وهذا يعنى أنه ليس كل المستفيدين من وحدات الإيجار القديم الآن هم المستفيدين الأصليين، فبعضهم ينتمي لفئة جديدة تماما داخل الأزمة، يجب مراعاتهم وأخذ أبعاد عقودهم بعين الاعتبار.

لذا فإن الاقتراب من تحرير العلاقات الإيجارية أمر شائك وشديد التعقيد والصعوبة في دراسته وفصل حالاته عن بعضها البعض، وتأثيراته اجتماعيا واقتصاديا، فقد يكون هذا القانون فرصة للدولة المصرية لتضع نموذجا جديدا لإدارة الأزمة والشفافية والتوافق في إدارة هذه المواقف، فالأمر يحتاج إلى دراسة متأنية ودقيقة بمشاركة جميع الأطراف والفئات، بل ومن كل البقع الجغرافية لجمهورية مصر العربية، فالوضع لا يمكن حسبانه على عقارات القاهرة والجيزة فقط، ولكن في قلب كل مراكز المحافظات وجدت هذه الصيغة من التعاقد المتبع قبل خمسون عاما على الأقل.