القاهرة 20°

نشطاء الإعلام

أثارت إذاعة المكالمات التليفونية للبرادعى جدلا حول دور الإعلام وأخلاقياته، وفوضى الفضائيات، وفى المقابل زادت حدة التحديات التى تواجه الصحف المطبوعة بعد زيادة تكلفة الطباعة ما يهدد بغياب الصحافة المطبوعة وإنزواءها تدريجيا، وبات الجميع حكومة وشعبا لا يعرفون تحديدا ما هو الدور الذى يفترض بالإعلام أن يلعبه فى هذه اللحظة الحرجة من عمر جمهورية مصر العربية. كل هذه الجدليات لا إجابة لها للأسف عند قيادات الوسائل الإعلامية المختلفة مطبوعة ومرئية ومسموعة، فبعد تمعن النظر وقراءة أعمدتهم فى الصحف ومتابعة مناقشاتهم تجد أنه ليس لدى الجميع خط واضح أو هدف بعينه يرغبون فى تحقيقه ويسعون له، وربما هذه السيولة الفكرية هى أحد أهم أسباب فوضى الإعلام وضعفه فى المرحلة الحالية، لكنها ليست السبب الوحيد.

ولاشك أن قطاع الإعلام بأكمله ينتظر خلال 2017 أمور جسام منها انتخابات نقابة الصحفيين، وتأسيس نقابة الإعلاميين، وتأسيس المجلس الوطنى للإعلام، وكل هذه التجارب حتى الآن محل ريبة وشك من الجميع.

ويهدف إنشاء الكيانين الجديدين المتوقعين إلى ضبط الأداء الإعلامي فور حصولهما على الأدوات التى تمكنهما من ذلك، ولكن هناك أفات خطيرة فى الإعلام فى تقديرى لن تستطيع هذه الأجهزة حلها أو مواجهتها، منها على سبيل المثال أن المحددات التي تجرم جريمة الرشوة لا تنطبق على الصحفيين بما فيهم المعينين فى الصحف القومية، وبالتالى لا توجد مادة فى القانون تجرم حصول الصحفى أو الصحيفة أو القناة التليفزيونية على أموال من أفراد أو مؤسسات داخلية أو خارجية لنشر أخبار أو موضوعات بعينها، أو تضع خطا فاصلا بين الإعلان والمواد التحريرية. أعرف جيدا أن هناك ميثاق شرف للعمل الصحفى، ولكن بعد سنوات طويلة من صدور هذا الميثاق للأسف يعانى تطبيقه من عدة مشكلات والتي لا تنسحب فقط على الصحف المطبوعة، كما أنه من جانب أخر فميثاق الشرف الصحفي فى نهاية المطاف سلطة أدبية، وللأسف نقابة الصحفيين فى أضعف حالاتها وهى عاجزة عن تفعيل أى سلطة حقيقية أو أدبية.

لذا فالأمل كله معقود على أن يصدر عن نقابة الإعلاميين ميثاق شرف للعمل الإعلامي يكون له سلطة فعلية على العاملين فى الإذاعات والقنوات المملوكة للدولة أو القطاع الخاص. من جهة أخرى فإن عدد كبير من العاملين فى السوق الإعلامى وخصوصا الصحفيين قد دخلوا إلى المهنة من بوابة الإنتماء السياسى، وهو أمر لا غبار عليه، لكن للأسف إستمر مع هؤلاء إنتماءاتهم السياسية الواضحة، وصاروا أقرب لنشطاء إعلاميين، وفى وقت قليل بعد إنفتاح سوق الإعلام صارت الصحافة والعمل الإعلامى مهنة من لا مهنة له، وأصبح لقب الصحفى لصيقا للقب الناشط السياسى، بشكل أضر التجارب المهنية التى شارك فيها هؤلاء، وتدريجيا صارت داخل الجرائد والفضائيات جماعات سياسية مهيمنة وآخرى تحاربها، وغالبا يستحوذ أصحاب الإنتماء السياسى المسيطر على المناصب الأكبر والأهم داخل المؤسسات الإعلامية بما فيها نقابة الصحفيين، وسوق العمل الإعلامى بأكمله، وبما أن الصحفيين يسيطرون على الفضائيات وكافة المنابر الإعلامية بالتالى صارت توجهات الصحف والفضائيات فى أيدى نشطاء سياسيين لا خبراء إعلاميين، وكل ذلك جاء على حساب المهنية، والمناقشة الموضوعية لأى خبر مهما كانت أهميته، ومن ناحية ثالثة نجد أن كثير من الأسماء الصحفية التى تم تصديرها للعمل والظهور فى كثير من الفضائيات بما له من قدرة التأثير على الرأى العام، كانوا فى الأصل ممن يطلقون على أنفسهم مدونين، أو نشطاء حقوقيين وسياسيين، ومع لمعان نجمهم إنفتح المجال أمامهم للعمل فى وسائل الإعلام المختلفة، وقد استمروا أيضا فى ممارسة العمل الإعلامى بمنطقهم النضالى، فى حين أن الإعلام ليس مجالا للنضال، بل هو فى الأساس أداة لطرح المعلومات بموضوعية، وتوازن لا لمن يقدم الموضوعات والقضايا بأحكام وخلفيات مسبقة إلا فى حدود ضيقة جدا. والنتيجة أننا نعانى آلاف التأويلات لكل خبر وتصريح ومعلومة وكلها يتم لى عنقها لتؤكد هذه الأحكام المسبقة، فأنت كقارئ أو مشاهد لست مخيرا فى تصديق أو رفض ما يعرض عليك من مادة إعلامية. ويؤازر هذه الفئة السابقة التى أفسدت مجالي الإعلام والرأى العام، فئة أخرى من ممن فشلوا فى ممارسة أى عمل منتظم، وقرروا أن يمارسوا العمل العام والسياسي من على مقاعدهم مستغلين المنصات الإلكترونية منبرا لهم، ومع إندلاع ثورة يناير صاروا هم أصحاب الصوت الأعلى فدخلوا إلى بعض الأحزاب باحثين عن دور، والمفاجأة أنهم صاروا هم صوت المعارضة وآلية الرقابة على الآداء الحكومى بل وضيوف ومحللى البرامج الفضائية التى يقدمها نشطاء زملاء، وللأسف ليس هناك أية آلية للرقابة على أداء أولئك أو هؤلاء.

كل هذه الأزمات تحتاج إلى ثورة مجتمعية وسياسية جريئة، وآمل أن تستطيع الكيانات الجديدة المعنية بتنظيم العمل الإعلامى القيام بهذه المهمة الثقيلة في ظل هذا المناخ.