الجيزة 20°
دوت مصر

معركة شم النسيم

للمسلم عيدان، هكذا سيبادرك الكثير من أصدقائك الملتزمين كتمهيد لتحذيرك من مغبة الاحتفال بشم النسيم. إذا قررت أن "تقاوح" سيخرج صديقك "الملتزم" من جراب حججه فتوى تُحرم تهنئة المسيحيين بأعيادهم. وسيحرص أن يضم شم النسيم لأعياد المسيحيين، التي لا يجوز لا التهنئة بها ولا الاحتفال بها. إذا "نفدت" مما سبق لن ينسى "ملتزمك" تذكيرك بأن الفسيخ حرام. تارة لأنه ميتة، رغم أنه سمك! والسمك ميتة من ميتتين حلال. وتارة لأن به آثار دم، رغم أني لا أعلم كيف يجد "الملتزم" آثار الدم في سمك مملح.

لكنّ أصدقاءك الملتزمين لن يكونوا العائق الوحيد في سبيلك للاحتفال بشم النسيم. فما إن يقترب الموعد السنوي لعيد السمك المملح، إلا وتمتلئ الصحف بأخبار الفسيخ والرنجة الفاسدين. كما ستحرص الحكومة على تذكيرك بأن أكل الفسيخ سيودي في الأغلب بحياتك.

أما إذا قررت تجاهل تحذيرات الحكومة وأصدقائك الملتزمين، فسيتعين عليك أن تتجاوز عائقك الأخير، "الناس القرفانة". فشم النسيم عيد الأطعمة ذات الروائح، يبدأ بالبيض المسلوق، وينتهي بالفسيخ والبصل الأخضر.

فإذا نجحت في التغلب على كل تلك الصعاب، فأنت يا عزيزي (ويا عزيزتي) مواطن(ة) مصري(ة) صالح(ة) نجح(ت) في إحياء سنة مصرية قديمة من قِدم هذه الأرض. لقد احتفلت بـ"شمو"، المعروف حاليًا بشم النسيم، وهو عيد الخلق عند قدماء المصريين وبداية موسم الحصاد.

وشمو يوم يذكرنا ليس فقط بقدم الأرض التي نعيش عليها، بل يذكرنا بحجم تأثير هذه الأرض فيما حولها. يذكرنا شمو مثلًا بالدور الذي لعبته مصر في تاريخ الديانات. يذكرنا شمو بموسى وبني إسرائيل وقصة الخروج. ففي القصة التوراتية (والمكررة باختلافات طفيفة في القرآن) أصاب الله المصريين بعشر لعنات. وكانت اللعنة العاشرة هي إشارة خروج موسى وقومه من مصر. وتزامنت اللعنة العاشرة مع عيد بداية موسم الحصاد عند المصريين. وبذلك أصبح "شمو" المصري والفصح اليهودي مرتبطين. والفصح اليهودي بدوره مرتبط بأسبوع آلام السيد المسيح.

كان شمو حاضرًا في الخلفية التاريخية للديانتين اللتين غيرتا العالم. وحين اعتنق المصريون المسيحية لم ينسوا أن يؤجلوا عيدهم شمو لما بعد انتهاء صومهم الكبير. لم تمنعهم ديانتهم الجديدة عن الاحتفاظ بمصريتهم. وورثوا تلك المصرية جيلًا بعد جيل. لم يمنع اختلاف دين المصريين مع تعاقب القرون الاحتفال بشمو. فقط لم تصبح الأسماك المملحة والبصل الأخضر قرابين للآلهة. أصبحت مجرد وجبة تراثية.

نسي المصريون دلالات شمو مع الوقت، حتى أصبح في السنوات الأخيرة ساحة من ساحات معركة الهوية. بين "إسلاميين مكفرين" لمن يحتفل به وبين "عصريين" محاربين للروائح، يمر اليوم دون أن يقف أحدهم ولو لوهلة ليتذكر كيف أن هذا اليوم أقدم من كل الأديان. وكيف أن هذه الأرض أقدم مما يعده الناس من الزمن. وكيف أن استمرار الاحتفال به حتى يومنا هذا يدل على تغليب وتغلب المصرية على ما دونها من "هويات".

"كل سنة وأنتم مصريين"!

csr