القاهرة 20°
دوت مصر

مسافات.. بيني وبينك مسافات

في عصر ما قبل ثورة الاتصالات، دلل عبد المطلب – المطرب المصري الشهير – على حبه لحبيبته بقطع المسافة بين بيته في حي السيدة وبيتها في الحسين مرتين يوميًا. تبدو المسافة بمقايسنا الحالية قريبة، فعبد المطلب لم يجرب أن يكون من سكان التجمع الخامس وحبيبته من سكان المهندسين. في زمن عبد المطلب كان لقاء الأشخاص من النطاقات الجغرافية البعيدة شبه مستحيل، وكانت العلاقات من خارج الحيز الجغرافي تواجه بالسؤال الإستنكاري والإستفهامي الشهير "إيه اللي لم الشامي على المغربي؟!".

في عصر ما قبل الإنترنت ربما استدعت إجابة السؤال قصة مثيرة يلعب فيها النصيب دور البطولة. لكن الزمن تغير، لم يصبح "مشوار" من السيدة للحسين تضحية تضمن رضا الحبيب. جمع الفيس بوك الشامي والمغربي والتركي والجنوب أفريقي وأصبح الحب العابر للجبال والمحيطات ممكنًا.

في البدايات لا تُشكل المسافة مشكلة، بل أحيانًا تكون المسافة عامل من عوامل الانجذاب. فالبعد يحفز الخيال والأمل والتفكير فيما يمكن أن تحمله العلاقة مستقبلًا مع الشريك. في البداية لا يُفرق الحب بين المسافة من السيدة للحسين أو القاهرة وواشنطن العاصمة. لكن مع الوقت تتحول المسافة لعبء قد يقتل العلاقة.

فالعلاقة عن بعد تلزم الطرفين بحياة من "الانفراد"، كما تفرض عليهما بناء شبكات دعم وأمان لا تتضمن شريك الحياة. العلاقة على البعد تجعل كل طرف وحيدًا في مواجهة تحديات يومه وبدلًا من أن تخفف العلاقة من تلك التحديات تصبح واحدًا منهم.

إنقاذ العلاقة من الانهيار تحت عبء المسافة يحتاج إلى خطوتين، الخطوة الأولى هي إنشاء روتين للتواصل. تلعب التكنولوجيا هنا دور البطولة، فمشاركة التفاصيل اليومية عبر الرسائل النصية أو المكالمات يخفف الكثير من مشاعر الوحدة التي يشعر بها الطرفين. واستخدام الاتصال بالفيديو يخفف من وطئة افتقاد الشريك. قد يبدو إنشاء روتين التواصل سهلًا وبديهيًا ولكنه في الحقيقة صعب، فالكثير من العلاقات تواجه تحدي فروق التوقيت، فعلاقة بين شخصين يفصل بينهما 7 ساعات تواجه مشاكل أكثر وأعمق بكثير من علاقة يفصل بين طرفيها ساعة واحدة. وحتى وإن لم تشكل فروق التوقيت عائقًا، فالحفاظ على التواصل المستمر في خضم مشاغل الحياة تحدي في العلاقات العادية فما بالك بعلاقة على البعد.

ثاني خطوة هي الاتفاق على جدول الزيارات. ففي حين كان سهلًا على عبد المطلب أن يقطع المسافة لبيت حبيبته مرتين يوميًا سيكون على أخرين أن يرتبوا زيارات إسبوعية أو شهرية أو أحيانًا نصف سنوية. وكلما تباعدت الزيارات كلما كان تحدي الاستمرار في العلاقة أصعب. لأن توفير "الصحبة" هو أحد أهم أسباب الوجود في علاقة من الأصل. كما أن تباعد الزيارات يعني تباعد اللقاءات الحميمة. والحميمية على عكس ما قد يدعيه البعض، تلعب دور الصمغ في العلاقة. كلما زادت العلاقة الحميمة قويت العلاقة.

دواء المسافة إذن تواصل مستمر وزيارات متقاربة، وهو دواء "مكلف" ويعتمد استمرار العلاقة على قدرة الطرفين على الإستمرار في دفع تلك التكلفة، أو ربما حساب تكلفة انتقال أحدهما للعيش مع الآخر. لأن سواء بدأت العلاقة على مسافة أو جاءت المسافة لتفرق شريكين في علاقة مستقرة، في كلا الحالتين "كثر البعد يعلم الجفاء"!

csr