القاهرة 21°
دوت مصر

ما بين الـ Single Mother والمرأة العائل

مرة أخرى تعيد أوضاع المرأة المصرية طرح نفسها على الرأى العام، ويبدو أنه إن شئنا أم أبينا فهو عام المرأة بلا منازع، لن أستغرق فى الحديث عن هدير مكاوى وما صاحب قصتها من الجدل حولها، حيث وافق من صدق روايتها وعمل على دعمها، ورفض من تشكك في حكايتها وهاجمها.

لكننا كالعادة لم نتوقف عند أصل الحكاية وكل بنى رؤيته وفق موقفه المسبق.

لم يقف الطرح عند هذا الحد، فالواقع المرير يؤكد لنا أن قصة هدير مكاوي ليست الأولى أو الوحيدة فى هذا الشأن، بل إنني لا أعتقد إنها ستكون الأخيرة، إذ أن عشرات السيدات أشعلن الجدل العام سابقا بعد إنكار الزوج لورقة الزواج العرفى ونفي نسب طفله، والإحصائيات خير دليل على ما توج به أروقة المحاكم من دعاوى إثبات النسب، لكن الجديد فى واقعة هدير مكاوي أنها قد فتحت الجدل على مجال أوسع وهو قضية " الأم العزباء "، فقامت الدنيا ولم تقعد.

فور إستدعاء المصطلح Single Mother طفت على وجه صفحات المدعين كل أشكال العنصرية ضد المرأة متجاهلين في ذلك عدة حقائق أوردها هنا دون إبداء رأى لعلنا نهتدي لمناقشة أكثر عقلانية وواقعية.

أولها أن دعوات دعم الأم العزباء ليست دعوات للإنجاب دون زواج، فجوهر القضية أن كل أم تربي أطفالها وحدها هى أم عزباء في الأصل سواء كان ذلك نتيجة وفاة زوجها، أو طلقت منه، أو متزوجة لكن زوجها لا يمارس إلتزامات الأب من إنفاق وتربية لأطفاله، وهو ما عرف بإسم المرأة العائل لعدة سنوات، أو بسبب إرتفاع معدلات الطلاق، وأزمات الغلاء التى تساهم بشكل أو بآخر فى إنتشار أنماط من الزواج والعلاقات خارج منظومة الزواج التقليدية مثل الزواج العرفى، وما إلى ذلك من تبعات إنكار الأب لنسب الطفل والحاجة للقضايا والمحاكم للبت فى الأمر، وإثبات حقه فى نفقه لا تكفى لإطعام الطفل - أن تحصلت عليها المرأة فعليا – وهنا نجد أن الأم فى هذه الحالة تقوم بكل الأدوار.

ومن ثم فإن هذا النمط من الأمهات منتشرا فى ربوع جمهورية مصر العربية.

نحن هنا لا نتكلم عن منظومة الزواج التقليدية التى باتت مهددة بأشكال عدة من الخلل، منها مثلا هروب بعض الأزواج من زوجاتهم وأطفالهم بعد العجز عن الوفاء بإلتزاماتهم تجاهم، أو أن بعض الزوجات بتن هن العائلات لأسرهن، لكن ذلك لا يستتبعه أى شكل من أشكال التعاون فى الأعمال المنزلية من جهة الرجل.

فأول حائط تصطدم به الأمهات العزباء فى جمهورية مصر العربية هو الصورة الذهنية التى رسمت مسبقا لملايين الفتيات وملايين الذكور منذ الصغر، فالمرأة خلقت لتكون أم والرجل خلق لتخدمه زوجته، ودون أدنى مسئولية عليه في ذلك.

لا أدرى إن كان المتناقشون حول أوضاع النساء يدركون أن عددا ليس قليل من الفتيات يخضن تجربة الزواج بهدف الحصول فقط على حق الإستقلال بحياتهن وإنجاب طفل فقط وربما يأتي ذلك ليكتمل الهدف الموضوع مسبقا لوجودها من قبل المجتمع، هى تحتاج لرجل ليعطي حلمها بشرعية الوجود أمام المجتمع، وأمام قلة الإختيارات المتاحة تتزوج أول من يطرق الباب بغض النظر عن ملائمته لها.

الأكيد أمام كل هذا التغيير الذى يعصف بالمجتمع فإن قضايا المرأة بشكل خاص تحتاج لمناقشة ومراجعة حقيقية، وأن الأحكام المسبقة التى كانت تصلح قبل عشر سنوات لم تعد منطقية أو رادعة الآن، ولا أبالغ هنا إذا أكدت أن أمور الأسرة المصرية كلها تحتاج إلى الدراسة ومرونة فى الفهم وتغيير فى بنية الثقافة والإجتماع والقانون، لإن حالة التعسف والهجوم غير المسبوق على الأفكار بمجرد طرحها لا يعنى فى رأيى إلا ضعف فى الموقف.

ولا شك أن محاولة البعض إدعاء أن قيمنا وأعرافنا الدينية منها والإجتماعية لازالت راسخة، ما هو إلا رفض لمواجهة هذه الحقائق بل وأكثر منها، إذا ما خضنا فى دراسة نفسية مفصلة لميول وسلوكيتنا اليوم، وبالتالى مستقبل هذا المجتمع.

csr