القاهرة 20°
دوت مصر
لماذا نجح الإخوان في تونس.. وفشلوا في مصر

لماذا نجح الإخوان في تونس.. وفشلوا في مصر؟

 

هل لأن الإخوان في تونس أكثر انفتاحاً باعتبارهم أقرب لأوروبا منهم للشرق ؟ أم أن واقع المجتمع التونسي وقواه الاجتماعية أكثر تنظيماً منها في مصر ؟ أم أن مستوى التعليم والثقافة كان العامل الأكثر حسماً الذي دفعهم ألا يجربوا العبث في تونس؟!.
الحقيقة، أنه توجد فروق متعددة بين الحالتين التونسية والمصرية، فيما يتعلق بتجربة الإخوان.
فتونس التي أشعلت شرارة الربيع العربي، مجتمع منفتح على العالم مليء بالتيارات الفكرية المؤطرة، ما بين اتحاد الشغل والتنظيمات السياسية الليبرالية واليسارية والإسلامية، وهي تيارات حقيقية لها وجود .
ليست مجرد مجموعات من الأشخاص يتحدثون في الإعلام عن تيارات غير موجودة في الشارع، وجيش ليس له هذه المكانة المتقدمة في معادلة الحكم مقارنة بمصر، وقيادة إخوانية جسدها راشد الغنوشي الذي عاش عقدين من حياته في عاصمة الحريات لندن، وخبر تجارب الحركات الإسلامية علي امتداد العالم، وقدم استدراكات وانتقادات على الحالة الإسلامية، جعلته على يسار التنظيم الإخواني لفترة طويلة، وبدا في أطروحاته، وتقديره لتعقيدات المجتمع التونسي، أقدر علي قراءة اللحظة الحاسمة، لحظة الانتقال من حكم سلطوي عبر ثورة شعبية، شاركت فيها كل فئات الشعب التونسي، إلى لحظة تأسيس دولة ديمقراطية.
لقد بدا الغنوشي قادراً على فهم أن اللحظة لحظة تأسيس، وليست لحظة منافسة؛ وبدا سلوكه أقرب إلي عالم اجتماع يدرك ما يجري في المجتمع التونسي دون مبالغة، قبل أن يقبل برئيس يساري، كالمنصف المرزوقي، ليكون عنواناً لتونس الجديدة .
بل، وتقاسم الحقائب الوزارية مع أحزاب علمانية وليبرالية ويسارية، وصمد لحملات التكفير التي قادتها ضده مجموعات سلفية داخل حزبه وداخل تونس، واستطاع تطمين كل فئات المجتمع التونسي: مرأة، عمال، علمانيين، ويساريين، لدرجة أنه وافق على عدم تضمين الدستور الجديد أحكاماً تتعلق بتطبيق الشريعة الإسلامية، بل ووضع مواد تؤكد على المساواة الكاملة بين الرجال والنساء .
لم يستجب لابتزاز المجموعات المتطرفة، التي اتهمته بالخروج عن الملة الإسلامية والخضوع للعلمانيين الكفرة علي حد تعبيرهم .
احترم الغنوشي التنوع الموجود في المجتمع التونسي، وأدرك أن المرحلة هي مرحلة تأسيس مجتمع ديمقراطي منفتح، يتيح للجميع التعبير عن أنفسهم وأفكارهم ومشاريعهم لتطوير تونس، وأن احترامه، وحركته، لتلك القواعد سيصنع شعبية تتيح له أن يحظى بالثقة الكاملة، التي تتيح له أن يتقدم لحكم تونس في مرحلة لاحقة. استفاد من تجارب الإسلاميين قبل الربيع العربي وبعده، واستطاع أن ينجو بمهارة من رياح عكسية فنجا.
بالمقابل، ماذا فعل الإخوان في مصر؟
كمُن الإخوان في اللحظات المصيرية من ثورة 25 يناير، وعندما تأكدوا من إمكانية نجاح الفعل الثوري شاركوا فيه، ولم تكن الثورة يوماً من وسائلهم، لكنهم تعاملوا مع ثورة يناير باعتبارها فعلاً للتحريك، وليس للتحرير وبناء الدولة الجديدة .
لقد اعتبروا اللحظة التي أسفرت عن وجودهم، بتنظيم موفور العدد والعدة، هي اللحظة المناسبة لخلافة النظام السابق، ولم يعودوا بحاجة للحديث عن المشاركة التي استبدلوها بالمغالبة التي لا تعرف الرحمة.
أغراهم غياب الساحة من أية قوة منظمة غيرهم، أن ينفردوا بكل شيء؛ فأعلنوا أنهم لن يترشحوا على كامل مقاعد البرلمان، لكنهم ترشحوا هم وباقي الفصائل الإسلامية، ليحصلوا علي 75 بالمئة من مقاعد برلمان لم يقدم أي شيء لثورة حملتهم لمقاعده ، بل، أجهضوا كل فرص استئناف موجات ثورية تصحح حالة الالتفاف على الثورة، وإجهاض مشروعها في انتزاع دولة تليق بتضحيات المصريين عبر عقود من أجل هذا الحلم.
وعدوا المصريين بعدم ترشُح أحد منهم على منصب رئيس الجمهورية، قبل أن يأتي "الوحي الأمريكي" ويتغير القرار، فيرشحوا خيرت الشاطر الرجل القوي في التنظيم، قبل أن تستبعده اللجنة الانتخابية لأسباب قانونية؛ ويفوز مرسي "الاستبن" الذي ابتذل منصب رئيس الجمهورية بشكل غير مسبوق في المظهر والجوهر، وتحلى بسذاجة في التدبير والمكر، فاستعجل الصدام مع المؤسسة العسكرية بإقالة طنطاوي وعنان، لتغادره الشجاعة ويتراجع بعدها عن قرارات اقتصادية بعد إصدارها بساعات
ليكشف بذلك عن تردد وضعف، هو سمة موظف ينتظر تعليمات مكتب الإرشاد، الحاكم الحقيقي للبلاد في هذه الفترة؛ وهو، نفسه، الذي دفعه لإصدار إعلان دستوري، في نوفمبر من عام 2012، ليكتب نهايته الحقيقية، التي جسدتها 30 يونيو، التي هضم الغنوشي دروسها، بينما لم تفهم الجماعة كل مقدماتها.

csr